السيد عباس علي الموسوي

393

شرح نهج البلاغة

ينبغي أن تراه بكلتا عينيك ، وعلى أقل تقدير أن تراه بعين واحدة كما رآك . وهذا هو فعل الكرام من الناس والشرفاء منهم إنهم يكبرون الذي يسدون إليهم معروفا ويجلّون من تحملوا من أجلهم أقلّ تعب ومشقة وعجيب أن يبادل المحسن بالإساءة والمعطي بالصدود والكريم بالبخل ، ومن أدخل عليك السرور بإدخال الحزن والألم عليه . إن هناك بعض الجبلات الثقيلة التي تتعامل بهذا الأسلوب ، إنها جبلات لئيمة طبعت على الخسة والدناءة فهي ترفض الإحسان وإذا عوملت به تنكرت لفاعله وأساءت إليه . ولكن المسلمين الطيبين يتعاملون بيسر وسهولة ويكبرون كل إحسان إليهم ويتحينون الفرص من أجل وفائه ، إنهم يرونه دينا يترقبون الأوقات ليردوه إلى أهله وأصحابه ، فهم في طوايا نفوسهم يرون هذا الجميل نعمة تحتاج إلى شكر وشكرها أن تكافى ء صاحبها وترد إليه بإحسان أشد وأفضل . . . ( واعلم يا بني أن الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك . فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى . إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك . وإن جزعت على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك . استدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه ) في هذا الفصل الشريف أمور : الأول : قوله عليه السلام : واعلم يا بني أن الرزق رزقان ، رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن أنت لم تأته أتاك . قسم الإمام في حديثه هنا الرزق إلى قسمين : رزق تطلبه ويتوقف الحصول عليه إلى أن تنهج معه الأسباب الطبيعية التي سنها الشارع ووضعها لكل فائدة وثمرة وربح ، فهناك أسواق مفتوحة وبيع وشراء وهناك معاملات يجب أن تتخذ إليها الطريق من أجل توفير الربح والثراء ولا يجوز لك أن تكون اتكاليا تعيش في زوايا بيتك وضمن جدران غرفتك الأربعة دون أن تتجاوزها بحجة أن اللّه قد تكفل لك برزقك ومئونتك فإنك إن عملت ذلك تكن مخالفا للمرسوم شرعا ومناقضا لأقوال المعصومين الذين كانوا يدفعون المسلمين إلى الخروج إلى الأسواق ويأمرونهم بالبكور إلى عزّهم كما في بعض الأخبار وكذلك تكون من الذين لا يستجيب اللّه دعاءهم على حد قول المعصوم في حديث آخر . . . فهذا هو القسم الأول من الرزق ، وهو الرزق الذي يتطلب منك أن تطلبه وتسعى في الحصول عليه . وأما القسم الثاني وهو الرزق الذي يطلبك فقد يتعجب بعض الناس من هذا الكلام ولكن وشرف الحق وعزة اللّه لقد لمست هذا بيدي وعشته في أيام حياتي أكثر من مرة . . . لقد كنت أرصد أن يأتيني الرزق من جهة فإذا بها تقفل ويمتنع الرزق منها ، ولكن ما أن تنغلق أبوابها حتى تفتح من أبواب أخرى لم تكن بالحسبان ممن لا