السيد عباس علي الموسوي
375
شرح نهج البلاغة
اليهود والنصارى بشيء ، بل رأينا بعض التجار وقد أتخمه الغنى وأفسده الثراء يضع النساء العاريات باعة في محله ويفتح أسطوانات الغناء ومكبرات الصوت بقصد جلب الزبائن ولفت أنظارهم إلى محله ، لم يعد له من همّ إلا همّ الربح فهو يفكر في قيامه ومنامه وفي حركته وسكونه وهو مع أهله وفي سهرته وعلى طعامه ، يفكر بشكل مستمر في أنجح الطرق وأيسرها لتوفير الربح وازدياده دون نظر إلى حليّته وحرمته وهذا هو منتهى المخاطرة الدينية . . . وهناك مخاطرة مادية وهي أن التاجر قد يشتري متوقعا الربح ، ولكن بما أنه فرد في مجتمع التجار ، وكل منهم يبتغي الربح فقد تنزل قيمة السلعة عما اشتراها به ، فيهوي في الخسارة والإفلاس ، وهكذا قد يشتري سلعة ويصيبها الكساد أو التلف أو غيرها من عوامل الزمن من حريق أو غريق أو غير ذلك . . . إن التاجر معرض للإفلاس في كل وقت وقد رأينا بأم أعيننا في هذه السنوات العجاف التي مرّت بوطننا لبنان كيف أصيب كثير من التجار بضربات قاضية أتت على أموالهم كلها واستحقوا الحقوق الشرعية بعد أن كانوا يؤدونها أو هي واجبة عليهم قصروا في أدائها وسوّفوا في إخراجها . لقد وجدنا ذلك الملاك الكبير والتاجر العظيم قد استحق الرحمة والإحسان ووقف على بعض الأبواب يطرقها كي يستدين قليلا من المال يصرفه على نفسه وعائلته . . . بل وصل الحال ببعضهم أن ماتوا غما وحزنا على ما أصابهم من ذل بعد عز ومن فاقة بعد غنى ومن فقر بعد ثراء ، وهذه كلها عبر وعظات كي يأخذها تجارنا لإصلاح دينهم ومراقبة اللّه في تصرفهم في بيعهم وشرائهم ولا تغرّنهم الحياة الدنيا فإنها إلى انقضاء وزوال . الخامس : قوله عليه السلام : رب يسير أنمى من كثير . أما على المستوى الشرعي فهذا شيء لا ريب فيه ولا شك يعتريه فإن الشارع اعتبر درهم الصدقة بواحدة واعتبر درهم القرض بثماني عشرة حسنة ، كما اعتبر درهما من الربا يصيبه الرجل أعظم من سبعين زنية كلها بذات محرم . . . كما أن الإنسان لو تصدق بما عنده وما ملكت يمينه كلها وكانت قناطير مقنطرة من الذهب والفضة وما غلا ثمنه من الجواهر والعقيان ثم لم يتقرب بذلك إلى اللّه ولم يخلص في عمله ، كل تلك الصدقات لم تزن عند اللّه جناح بعوضة . . . بينما لو أنفق الرجل بعض ما قدرت عليه يده وكان إنفاقه عن طيب نفس وإخلاص وقربة إلى اللّه فإن هذا التقرب بالأمر اليسير ليس له عدل في دار الدنيا ولا نظير وإنما الذي يوفيه أجره هو اللّه ، واللّه أكرم وأجل من أن يجعل أجره