السيد عباس علي الموسوي

376

شرح نهج البلاغة

وثوابه دون الجنة ، ولنا في قصة أهل البيت التي يقصها القرآن في سورة الدهر أعظم الأمثال وأجلها حيث إن هؤلاء الأطهار المبرءون من العيب قدموا أقراصا معدودة لليتيم والمسكين والأسير ولكنها خرجت من داخل قلوبهم وعاشوا مع هذه الأصناف في آلامهم وأحزانهم وتعاستهم وتفاعلوا معهم بجميع جوارحهم فقدموهم على أنفسهم وآثروهم على ذواتهم . ولما علم اللّه إخلاصهم في العطاء والتقرب إليه في البذل أنزل فيهم آيات بينات يرددها العالم كله ويتمثلها المخلصون في سلوكهم وسيرتهم . . . إن هناك الكثير ممن قدم وبذل وأعطى ولم تنزل في حقه آية واحدة بل ولا حرف واحد وقد يكون عطاؤه أكبر وأكثر بكثير من هذه الأقراص المصنوعة من خبز الشعير التي تصدّق بها أهل البيت ، فإن القليل مع التوجه به إلى اللّه والإخلاص في طريقة تقديمه يكون أنمى أجرا وثوابا ممن يقدم الكثير وهو عار عن نية التقرب إلى اللّه والتوجه إليه . . . ( لا خير في معين مهين ولا في صديق ظنين . ساهل الدهر ما زل لك قعوده ، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه . وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج ) في هذا الفصل الشريف خمسة أمور : الأول : قوله عليه السلام : لا خير في معين مهين . إذا أردت أن تستعين فعليك بأصحاب القدم السابقة في معالي الأمور ووجوهها ، توخّ أطيبها نفسا وأسخاها يدا وأعلاها منزلة . إذا أردت أن تستعين دون منّة بل مع الاحتفاظ بكرامتك وعزتك فارم ببصرك نحو من تعرّق وتجذّر في المناقبية والتسامي فإنه لن يردك خائبا ولن يشوش عليك عملك أو يلحق بك وبحاجتك التهمة المسيئة والسمعة القبيحة . إذا كانت حاجتك عند شخص كبير فترقب الرجل الكبير واستعن به لقضائها عنده ولا تتوسط بالخادم والحاجب والبواب . إن النفوس الكبيرة لممارستها الخير وقضاء حاجات الناس تعود وكأن هذه الأمور من طبائعها بل ترى لذة في إعانة الناس وكشف كروبهم وتسهيل أمورهم ، تعود حاجات الناس بالنسبة إلى ذوي النفوس الكبيرة عادة يأنسون بها بل يستوحشون لفقدها ويتأذون عند عدم قضائها . . . فكما أن حاتم الطائي كان يجد اللذة في الكرم ويطلب الضيوف من أجل قراهم حتى أضحت هذه الخصلة عادة له يستوحش إذا أكل منفردا بل لا يستطيع أن يجلس على مائدة خالية من الضيوف هكذا حال أصحاب الهمم الكبيرة وأصحاب الكرامة الصحيحة يأنسون في قضاء حاجات الناس وسدّ عوزهم وستر عيبهم ولا يقصرون في هذا المجال . . .