السيد عباس علي الموسوي
374
شرح نهج البلاغة
الرابع : قوله عليه السلام : التاجر مخاطر . لقد استبطنت لفظة التاجر كثيرا من المكر والاحتيال وأضحت وصفا لقوم استحوذ عليهم الطمع والجشع والغش والاحتكار وقد مارس التجار طرقا وأساليب ملتوية من أجل الحصول على الربح ضاربين عرض الجدار كل القيم والمثل وكل الآداب والأخلاقيات ، فترى التاجر لا همّ له إلا اقتناص الربح وتوفيره ولو كان على حساب راحة الناس وكرامتهم وأمنهم وسعادتهم . . . لم يعد للمبادئ في نظر التجار أي أثر بل كلها تطوى ويقفز عنها في سبيل حفنة من المال . لم نعد نجد التاجر الذي يتورع عن الاكتساب الحرام ، بل أباح التجار لأنفسهم كل شيء يعود عليهم بالنفع فأباحوا الربا وحللوا الغش وحكموا بجواز بيع الخمور وآلات اللهو والمعصية ، واستوردوا المفاسد التي تميت النفوس وتقتل الأوقات وتقتضي على التطلع نحو المستقبل المزدهر السعيد . . . إن تجارنا اليوم لم يعرفوا الحلال من الحرام ولا الجائز من الممنوع ولا الباطل من الحق ، إن على قلوبهم أغشية عن رؤية الحق وكفى بهذه مخاطرة ، كفى بها هلاكا ، إن من اشتبهت عليه الأمور فباع حلالها وحرامها وممنوعها وجائزها كيف يأمن عن الوقوع في الخطر . . . إن التاجر الذي لم يتفقه ولم يدرس معالم الحلال والحرام فيعرف ما يجوز له بيعه وما يحرم وما يصح شراؤه وما يمنع ويعرف متى يتحقق الربا ومتى تفسد المعاملة التاجر الذي يبيع دون ضوابط ويشتري دون ضوابط كيف لا يقع في خطر المعصية وكيف ينجو من خطر الحرام . . . كان المسلم قبل هذه الأيام إذا أراد أن يشتغل في التجارة تفقه في هذا الباب ودرس ما يمكن أن يبتلى به ووقف على كل ما يهمه في هذا الشأن ثم بعد ذلك يدخل في هذا المجال . وكان التاجر أيضا تبركا وتيمنا لا يدشّن محله إلا في يوم يكون فيه مناسبة إسلامية كيوم ولادة النبي - صلّى اللّه عليه وآله - أو مبعثه أو هجرته أو ذكرى ولادة أمير المؤمنين علي ، أو يوم الغدير ، أو في بعض الأيام المباركة التي تحمل طابعا إسلاميا وحدثا له قيمته ومدلوله وبركته . وكان التاجر يتبرك بقراءة مجلس عزاء سيد الشهداء ويتصدق على الفقراء ويعين المساكين ويخفف ربحه عن المؤمنين ، كان فيما مضى لتجارنا أسلوب رائع وطريقة لطيفة جميلة ، لقد عهدنا بعض التجار المؤمنين في مدينة النجف الأشرف يعرفون باب التجارة وفقهها وآدابها ومستحباتها بشكل يريح النفس ويسرها . . . وأين منهم تجارنا اليوم لو دخلت أسواقنا لأنكرت أن يكون فيها مسلم . . . التجار المسلمون في لبنان - إلا النادر القليل - ليس فيهم من الإسلام أثر ، لا تميزهم عن