السيد عباس علي الموسوي
366
شرح نهج البلاغة
ويؤسس حضارة . . . استطاع بواسطة التجربة أن يفجر الذرة ويطلق الصاروخ . . . ويستطيع أن يحرق كل ما بناه بلحظة واحدة . . . التجربة كادت أن تصبح ربا . . . اتخذتها المدنية الحديثة مبدأ على أساسه تقبل فكرا وترفض فكرا ، تؤمن بنظرية وترفض نظرية ، آمنت بكل ما تقدمه التجربة وما تعطيه من حقائق ومنجزات وكفرت بكل القيم والمثل ، وبكل الحقائق والمسلمات إذا لم تستند إلى التجربة ولم تكن من نتائجها . . . ومن هنا كفرت بكل العوالم الغيبية المعبر عنها ( الميتفيزيقيا ) . إنها اتخذت هذه التجربة نقطة الفصل بين الحقائق والأوهام وعلى أساسها ميزت السليم من السقيم والصالح من الطالح . . . وبقطع النظر عن صحة هذا التعميم في الحكم رفضا وقبولا يبقى للتجربة دورها الذي لا يمكن تجاهله ، ويبقى لها قيمتها الكبرى ونتائجها التي لا يمكن أن يوفرها أي أمر آخر غيرها . . . إن التجربة لها قيمتها ودورها ومجالها المحدود في ما يخضع للتجربة ولا يقوم إلا بها . . . إن مجالها المادة تفتيتا وتمزيقا ، جمعا وتركيبا ، لها مجال في عالم الاختراع والإبداع ، وهذا هو الإمام الذي عاش عصرا قديما يتخطى زمنه وعصره ليضع بين أيدينا حكمته المتعالية التي يدفعنا من خلالها إلى التجربة وممارستها . . . وإلى استغلال هذه التجارب كي نتقدم ونترقى ونصعد في سلم الحضارة والتقدم . . . ولكن صحيحة هذا الإمام وصرخته وقعت صرخة في مقبرة لم يسمعها المسلمون ، ولم يعيشوا في رحابها وآفاقها الواسعة ، بل أسدلوا دونها الستار ولم يعطوها بالا فاستغلها غيرهم . . . لقد وصلت إلى مسامع الغرب فراح العلماء منهم وأصحاب الفكر يدرسون التجربة بوعي ودقة حتى استطاعوا من خلالها أن يقدموا منجزات الحضارة الحديثة بوسائلها وسبلها وبكل ما تزخر به من تقدم ورقي ، لقد تقدموا وتأخرنا ، وقطعوا شوطا طويلا في تذليل الصعاب والعقبات ولا نزال نحبو على الركب نلهث في الصحراء القاحلة ، نفتش عن جرادة نقتاتها أو ناقة شاردة نردها إلى حظيرتها ، حتى خيرات بلادنا ، حتى ذهبنا الأسود - النفط المتدفق من بطن الأرض - نعجز أن نصنعّه كما نشاء ونفتقر إلى أوليات استخراجه فضلا عن درجات تصنيعه وتصنيفه . . . مأساة كبرى ، واللّه إنها مأساة ، حتى صناعة النفط نستسلم فيها للخبراء والمستشارين الأجانب ، ويبقى سر استخراجه وتسويقه وتصديره وتصنيعه محتكرا لهم . وليس لنا من الأمر إلا أن نقبل بالأسعار التي يريدون وبالقيمة التي يشترون ، ليس لنا من الأمر إلا أن نقبل بكل ما يطرحه علينا الأعداء المستغلون ، واجبنا أن نقبل . . . ونخضع ونرضى دون إظهار لاشمئزاز أو تأفف أو شكوى . ما أتفه هذا الزمن وما أحقر أهله . . . كنا أسياد العالم وعباقرة الدنيا ،