السيد عباس علي الموسوي

365

شرح نهج البلاغة

تضم أشتاتا مختلفة من الناس . إنها تضم الملحد ، وتضم الوثني وتضم اليهودي وتضم النصراني وتضم . . . وتضم . وكل هذه الفئات تسعى إلى تثبيت تصورها على الأرض تحلم أن تكون هي الحاكمة والمسيطرة ، وتعمل في سبيل تحقيق حلمها وبسط نفوذها وسيطرتها . . . والمؤمنون فئة تعيش ضمن هذه الأجواء المحمومة والمعركة الشرسة ، فهل يكتفى منهم بالأماني والدعاء هل غاية ما عندهم أن يعيشوا في أحلامهم الحلوة وأمانيهم الساخرة دون أن يتحركوا من مواقعهم إلى الساحة ويقفوا في صف المجاهدين والمناضلين ويثبتوا هويتهم وأصالتهم ويحققوا الحكم الإسلامي الصحيح إن تاريخ الإسلام الذي صنعته الأيدي المؤمنة بقيادة الرسول الكريم والصحابة النجباء لم يؤسس على الأماني والأحلام بل كان الجهاد والتضحية وكان البذل والعطاء وكان الاندفاع حتى الموت هو الطريق الذي رسموه لنا وعبدّوه بدمائهم وأشلاء المجاهدين منهم . إن رغبة المؤمن يجب أن تبرز في الخارج عملا وسلوكا وسيرا حثيثا ومتواصلا في سبيل تحقيقها . . . هكذا علمنا النبي والصحابة وهكذا كانت مسيرة الرواد الطلائعيين الساعين في سبيل اللّه . إن من يمشي في سبيل اللّه لا يرى للأمنية مكانا إذا لم تتحقق في الخارج تجسيدا حيا وحركة ونضالا . . . حتى كلمة التوحيد ( لا إله إلا اللّه . . . ) لا يكون لها معنى إذا كانت الأصنام منصوبة من حولك تعبد من دون اللّه . لا قيمة لهذه الكلمة إذا لم تحرك فيك ثورة جبارة مدمرة تقضي على لوثات الصنمية وأسفافها الأرضي السخيف . لا قيمة لهذه الكلمة إذا لم تأخذ حجما بركانيا يقذف اللهب والحمم على كل الأوثان والأصنام وتحاول أن تقضي عليها وترد أتباعها إلى الدرب السليم . . . إن كلمة لا إله إلا اللّه تفقد مدلولها ومعناها عندما تتجرد عن حرارتها وإثارتها ، وعندما تفقد الجذوة التي تستطيع أن تعقم بها مجتمعك من الانحراف والإسفاف والرذيلة . إن من يعيش الأمنيات ويسبح في بحر الخيال والأوهام دون أن يحثه شيء منها للحركة والعمل في سبيل تحقيقها وتجسيدها يكون إنسانا بطالا ، أحمقا ، يبيع ويشتري دون رأس مال . . . ويغوص في بحر دون أن يعرف السباحة أو يقود عربة لا علم له بقيادتها . . . ولا شك أن نصيبه الفشل أو الغرق والعاقبة موتا سخيفا مضحكا فيشمت به الأعداء ويرثي له الأصدقاء . . . الثاني : قوله عليه السلام : والعقل حفظ التجارب . بالتجربة استطاع الإنسان أن يشق عنان السماء ويصعد إلى القمر . . . وبالتجربة استطاع أن يقهر الجبال الشاهقة والبحار والمحيطات . . استطاع بالتجربة أن يبني مدنية