السيد عباس علي الموسوي
350
شرح نهج البلاغة
خضوعا لها وتذللا ويكفي ذلك سببا لرفض كل واسطة والرجوع إلى اللّه خالق الأسباب ومسببها . . . ( وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يدي غيرك ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس ) منطق المسلم يتصف بالرزانة والعفة والعدل والصدق ، لا يتكلم إلا بما يرضي اللّه وينفع الناس فلا لغو ولا هذر ولا استطالة ولا غيبة ولا بهتان ولا سباب ولا شتائم ، يفكر في الكلمة قبل أن تخرج ويدرس مفعولها قبل أن تنطلق ويعلم آثارها قبل أن تقع ، الكلمة في قاموسه يجب أن تكون طيبة ، لأنها تكون ثابتة الجذور متينة القرار شامخة الفروع والآثار مثل كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . الكلمة في الإسلام لها مفعولها الذي قد يخلق جيلا صالحا يحمل أهداف الأنبياء والرسل كما أن لها آثارها التي تهدم البيوت وتخرب الأفكار وتقضي على كل الحضارات التي بنتها الإنسانية خلال عمرها الطويل . الكلمة التي تنطلق من هذا اللسان قد تهدي إنسانا إلى الرشد وترده عن الضلال ، قد توحد المتفرقات وتجمع الشتات ، كما أنها قد ينعكس أثرها وتأتي بخلاف ذلك . والمسلم هو الذي يملك لسانه فلا يتطاول على كرامات الناس وأعراضهم . كما لا يتفكه في مجالسه بغيبتهم وازدرائهم . . . وهناك الثرثارون المصابون بكثرة الكلام والحديث ، إنهم مرضى الكلام فتجد أحدهم يحدثك ساعة كاملة لا تستفيد منها ولو بكلمة واحدة . . . يتحدث في مجلسك وحده دون غيره ، إنه يبدأ بالحديث ويستمر يستطرد تارة ويعيد أخرى ، ويصعد إلى السماء مرة ويهبط إلى الأرض ثانية وهكذا دواليك لا يكاد ينتهي من حديث حتى يدخل في حادثة قد تطول وتتأخر وتجعل عندك مللا وسأما وتتمنى ساعة فراقه ورحيله . . . هؤلاء المرضى لا تخلو مجالسهم من الهفوات والهنات والخطل والشطط ، يكثر عثارهم واعتذارهم وتوبتهم ورجوعهم . . . تكثر خطاياهم ومعاصيهم . . . وإن بعض العثرات لا تقال وبعض الأعذار لا تنفع . . . وقد ورد عن أهل البيت من الوصايا والتعاليم في حفظ اللسان ما يجعلنا نقف عندها قليلا كي ندرسها ونفكر بها ونعمل بمضمونها فإن السعيد من تدبّر واعتبر . . . قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله - : « من كف لسانه ستر اللّه عورته » . قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله - : « رحم اللّه عبدا تكلم خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم » .