السيد عباس علي الموسوي
348
شرح نهج البلاغة
وإن كان فيها ربح ومال . فإن كل هذا وما يشبهه وإن عادت على الفاعل بشيء من الفائدة والربح ، ولكنها لن تعدل ما بذله من حق نفسه وماء محياّه . لأنه إذا انكشف أمره فيسقط من أعين الناس ويحتقره المجتمع وإذا بقي جرمه بينه وبين نفسه وخيانته لم تتعداّه ، فإن كان ذا دين وضمير فإنه يعيش الألم والمعصية لشعوره بمخالفة دينه وضميره ، وفي ذلك عذاب كبير ومهما كانت النتائج كبيرة تعدّ صغيرة إذا ما قيست بهذه المخالفة الإلهية والضميرية . هذا كله إذا كانت الدنيّة تتضمن مخالفة شرعية محرمة وقد تقتضي غير ذلك كما هي الحال في دنيّة السؤال والطلب ، ومدّ اليد إلى الأغنياء والاستجداء من أصحاب الثراء ، فإن هذه الدنيّة فيها بذل ماء الوجه ولا يعادل ذلك مال الدنيا ، فيها يد سفلى تمتد إلى يد فوقها وفي ذلك منتهى الضعة والهوان ، فإن الكرامة والعزة لا تقابل بالمال مهما كان كثيرا . . . لأنه يأتي ويذهب وتتداوله الأيدي ولا يستقر ، ولكن الكرامة والعزة إذا أهدرت لا تعوّض وإذا ذهبت لا تعود . . . ثم إنه ينهانا أن نتحول عبيدا لغير اللّه وقد جعلنا اللّه أحرارا . . . جعلنا أحرارا نمتلك حرية الإرادة والرأي فلا يجوز أن نتحول إلى أدوات تحركنا من خلفنا آراء الآخرين وتسيّرنا كما تحب وتشتهي . كما أننا أحرار في عقائدنا وأفكارنا فلا يجوز أن تملى علينا عقائد مستوردة وأفكار دخيلة غريبة ، بل يجب أن نستقل في تفكرينا وعقيدتنا كما نستقل في إرادتنا ومرادنا . . . كذلك يجب أن نبقى أحرارا في تصرفنا وحركتنا فلا يجوز لإنسان يمنّ علينا بقبضة من المال أن يشل حركتنا ويمنع مسيرتنا . . . وكما أن الفرد يجب أن يستقل في إرادته وحركته كذلك الدول يجب أن تستقل بطريقة أولى ، بل يجب أن تمتلك وحدها حرية رأيها وإرادتها وحركتها ، يجب أن تملك قرارها . . . قرار حربها وسلمها وقرار سكونها وحركتها ، وقرار رأيها وعقيدتها ، يجب على الدولة أن تستقل في كل شيء ولا تبقى تدور في فلك غيرها ، وتنفذ ما يقوله الغير فحسب . وللأسف الشديد قد صار الأشخاص تابعين في أفكارهم وآرائهم لما تمليه عليهم شخصيات لم يؤمنوا بها ولم يروا صحة رأيها ولكن المنفعة دفعتهم إلى قبول آرائهم وكذلك الدول أضحت تدور كلها في فلك الاستكبار العالمي الذي يقود زعامته - أميركا وروسيا - وأصبحت الدول كلها لا تمتلك حرية رأيها وإرادتها بل أضحت خاضعة لآراء القوتين الطاغوتيين : أميركا وروسيا . لقد تحولت الدول الأخرى إلى مستعمرات عليها تنفيذ القرار الصادر من أولياء أمورها حتى وصل الأمر إلى أن صعود حاكم ونزول آخر عن كرسي الحكم أضحى بقرار دولي تصدره إحدى هاتين الدولتين المستكبرتين . وأضحى كل حاكم صغير وبلد صغير يحتمي خلف