السيد عباس علي الموسوي
347
شرح نهج البلاغة
( فخفض في الطلب وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب فليس كل طالب بمرزوق ولا كل مجمل بمحروم ، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا . ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرا . وما خير خير لا ينال إلا بشر ، ويسر لا ينال إلا بعسر . وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة ، وإن استطعت ألا يكون بينك وبين اللّه ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك . وإن اليسير من اللّه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه ) لقد أمرنا بالطلب والسعي وراء الرزق وأن الجالس في بيته المكتفي بدعاء اللهم ارزقني أحد الثلاثة الذين لا تستجاب دعوتهم لأنه قد طلب الرزق بغير أسبابه المشروعة التي وضعها اللّه وسنها لتحصيل ذلك . ولكن هذا الطلب والسعي يجب أن لا يكون إلى درجة النهم والجشع بل يجب أن يخفض الإنسان فيه ويرفق لئلا يحصل على عكس المطلوب فإن بعض أبناء الدنيا تراه ساعيا ليلا نهارا في سفره وحضره مجتمعا مع الناس أو منفردا بنفسه ، حتى في صلاته وعبادته يفكر في الحصول على الدنيا ويبحث في عوامل اكتسابها وربحها . إنك تراه في هم دائم وحركة مستمرة وسعي متواصل لا ينام إلا في آخر الأوقات وتراه أول الناس قياما ، لا يأكل مع عائلته لقمة واحدة ولا يراهم إلا في قليل من الأوقات . تراه يشتاق إلى رؤية أبنائه لأنه لا يعود إليهم إلا في آخر وقته عندما يكونون قد رقدوا إلى فراشهم ، ويغادرهم قبل أن يستيقظوا . تراه تارة يركب البحر وأخرى يمتطي الجو وثالثة يقطع المفاوز والجبال . حياة كلها شقاء وتعب وعرق ونصب ، حياة مملوءة بالمخاطر والمهالك . يطلب الثراء الفاحش والغنى الكثير ، يريد أن يفاخر الأغنياء ويعيش مع الكبار من الطغاة وقوارنة المال . يريد أن يصبح من كبار أثرياء العالم . . . ولكن وللأسف ربّ طلب قد جرّ إلى حرب ، كما يقول الإمام : فرب إنسان كانت تجارته صغيرة ذات رأس مال قليل تفي بحاجته ومصاريفه وهو بعد في حياة سعيدة فإذا به يحب أن يوسعها ويغامر بما عنده فإذا به يخسر كل ما عنده ويعلن إفلاسه أمام الناس ، وربّ مهاجر مغامر قد جنى على نفسه . فليس كل طالب بمرزوق كما أن من أجمل بطلبه فليس بمحروم إذ ربما أتت النعمة ونزل الرزق على إنسان يجمل في الطلب ولا يكدح كدح المستميت . . . وهذا ما نراه بأم أعيننا . . . كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا ثم إنه عليه السلام أمرنا أن نكرم أنفسنا عن كل دنية مهما كانت عاقبتها . فالسرقة عمل دنيء وسافل وإن كان في ذلك تحصيل للمال واكتساب محرم له . . . والكذب عمل شائن ومهين وإن كان فيه جلب للمنفعة أو دفع للمفسدة . والخيانة جريمة ودناءة