السيد عباس علي الموسوي

346

شرح نهج البلاغة

كالناقة المعقلة التي ربطت رجلها فامتنعت عن التصرف كما تشاء بل هي خاضعة لهذا العقال ، ومنهم مرسلة مهملة تسرح كما تشاء وتتصرف كما تشاء وتعمل ما تشاء فليس لها رادع من دين أو مانع من ضمير فأفسدت وقتلت وسلبت وركبت رأسها وسعت في إضلال غيرها ولكن كل ذلك سيكشف أمام الملك العلّام فينجو المؤمنون السائرون على خطى اللّه ويسقط المتهاونون والمبتعدون عن ساحته ورضاه . ( واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا . واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كان قبلك ) شبه الليل والنهار بالمطية التي يركبها الإنسان ليقطع بها إلى مراده . ولئن كانت المطية قد تتعب الراكب وتضنيه إذا استغرقت الرحلة مدة طويلة ويشعر معها بالملل والتعب فإن الليل والنهار يسيران بالإنسان دون أن يشعر بهما أو يحس بوجودهما وذلك لأنهما يتكرران باستمرار ، ومتى تكرر الشيء بطل الإحساس به والتفكير بأبعاده ، لأنه يصبح أمرا مألوفا كجزء منك . . . ثم إن الإمام ينبه هذا الإنسان إلى أنه لن يدرك أمله ويعني بالأمل ليس أملا معينا فلربما أدركه ولكن ما إن يحقق الفرد أملا إلا وبدت له آمال ، وانفتح أمامه الكثير من الآمال . وهكذا دواليك فيأتي الموت والآمال تتراى ء أمام الإنسان ولا يدركها ، وهذا شيء مدرك بالوجدان يمر على كل واحد منا ، كنا صغارا وكانت آمالنا لا تعدو آمال أقراننا من أكلة نحصل عليها أو لذة نستوفيها ، أو مقدار من المال نكتسبه ، وعندما تقدمت بنا السن إلى الشباب تبدلت آمالنا فغدت زوجة ودارا وسيارة ومالا ، ولما تحققت هذه الأمور ارتفعت الآمال بارتفاع الهمم والرؤى ، فغدت نظرة مستقبلية تتضمن تحقيق الحق وإزهاق الباطل وتحرير الأوطان والإنسان . . . بعد أن تقدمت بنا السن غدت آمالنا تحقيق إرادة اللّه ونشر الإسلام ورفع راية التوحيد . غدت فكرا إسلاميا يشع على الكون وشرعة ربانية تحكم الإنسان والمجتمع . . . إنه الأمل الذي يتجدد في كل مرة ويسير في عدة اتجاهات . والآمال التي تتخذ طابع النظرة إلى اللّه والدار الآخرة آمال ممدوحة لا تخالف أوامر اللّه ومرضاته بل هي من صميم الإسلام ومقتضيات الإيمان ولذا يتقدم الشهداء إلى ساحة المعركة أملا بالنصر ، فإن ماتوا قبل تحقيقه فقد يتحقق على أيدي المجاهدين بعدهم ، ومن زرع ليأكل هو إن استمر على قيد الحياة أو يأكل غيره إن مات فهو أمل مقبول . . . أما الأمل المبغّض هو الذي ينسي الآخرة ويمنع عن رؤية الحق . . . فيسترسل وراء أمله دون نظر إلى عواقب الأمور ونتائجها . . .