السيد عباس علي الموسوي

342

شرح نهج البلاغة

لا تطلب شهودا غير جوارحه وأعضائه . . . فتبادر اليد لتشهد عليه بما جنى واقترف وتشهد العين عليه بالنظرة الحرام والمشهد الباطل ، وتشهد الرجل عليه لأي حرام سار وفي أي طريق سلك . يشهد عليه جلده وسمعه وقلبه وفؤاده . تشهد عليه كل جوارحه يومئذ . وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا . قالُوا : أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإلِيَهِْ تُرْجَعُونَ . وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ ( 1 ) . إن المعصية جريمة فإذا مات الإنسان على معصية اللّه يكون كما يقول أمير المؤمنين : قد أهلك نفسه ، قال عليه السلام : فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك . ( يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه ، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك وإياك أن تغتر بما ترى منه إخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها ، فقد نبأ اللّه عنها ونعت لك نفسها . وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها على بعض ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها . نعم معقلة وأخرى مهملة قد أضلت عقولها وركبت مجهولها ، سروح عاهة بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ولا مسيم يسيمها ، سلكت بهم الدنيا طريق العمى وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى فتاهوا في حيرتها وغرقوا في نعمتها واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها . رويدا يسفر الظلام كأن قد وردت الأظعان ، يوشك من أسرع أن يلحق ) تأكد الحثّ من الإمام على ذكر الموت والاعتبار بالأموات وما يعقب الموت من منزل الوحشة ودار الغربة ، وما في تلك الحفرة الضيقة الصغيرة المعتمة وما ينتاب ذلك الجسد المدلل في دار الدنيا من البلى والتلف ، وما يعرض عليه من التحلل والتآكل ، فإنه سيصبح طعمة للدود والحشرات ، وسيتحول ذلك اللحم الذي نما على الحرام إلى تراب تدوسه الناس بعد مئات السنين . وستصبح تلك العظام القوية إلى رميم ، تتفتتت إلى ذرات صغيرة لا يعلمها إلا اللّه . . . هذا كله ما نراه بالعين المجردة عند مرورنا على المقابر القديمة أو

--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآيات - 19 ، 20 ، 21 ، 22 .