السيد عباس علي الموسوي

341

شرح نهج البلاغة

على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك ) واعلم يا بني : أن هناك علة خلقت من أجلها فيجب أن تكون محط نظرك وجهاد عملك ولا يجوز لك أن تتوانى في تحصيلها أو تتكاسل في طلبها فمن توانى أو تكاسل لم يدرك مطلوبه ولم يحصل على غايته ، ومن سوّف في تحصليها رجع خاسرا خاسئا يندم في وقت لا ينفع فيه الندم ، وإن هذه الغاية هي الآخرة التي يجب أن يبذل كل طاقاته من أجل ضمانها وإدراكها . وهذا لا يكون إلا إذا استطاع أن يقوم بمهامه الواجبة عليه واستطاع أن يخترق كل الموانع والعقبات التي قد تعترض طريقه أو تحجز مسيرته . . إنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وكيف يخلق للدنيا من تنقضي دنياه وهل يخلق لشيء يمر عليه دون استقرار وكيف يخلق لأمر لا دوام له ولا بقاء ، مع ما في هذه الدنيا من المتاعب والمصاعب ومع ما فيها من الأحداث والمشاكل . لا لم يخلق الإنسان للدنيا كما أنه لم يخلق ليبقى فيها . وكما يعبر الإمام إنها منزل ( قلعة ) يعني يقتلع منها الإنسان ولا يبقى فيها بل يتحرك عنها ليحل محله آخرون يقومون فيها بما رسم لهم من عمل وما وجب عليهم من حق كما أنها دار يتبلغ بها الإنسان إلى الآخرة ويتزود فيها لأجل أن يعبرها نحو الآخرة . ثم إن الإمام ينبه الأنظار إلى أن الإنسان في هذه الدنيا طريد الموت ، فالموت يطارده ولا بد وأنه مدركه‌أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . . ( 1 ) . قد تطول بعض الأعمار وقد يقصر البعض الآخر ولكن في النهاية لا بد من هذا الكأس الذي سيشربه كل إنسان . وإذا كان الإنسان ينتظر هذا الزائر القابض فلا بد وأن يكون دائم الاستعداد للرحيل ، موطن النفس على قبوله . يجب أن يبقى في خط اللّه وضمن حدوده التي رسمها له . . . ولا يجوز له أن يتجاوزها أو يتخطى عنها . لا يجوز له إذا كان عاقلا رشيدا عالما ، والموت يطلبه وقد يفاجئه في كل لحظة وفي كل ثانية ، لا يجوز له أن ينحرف أو يضل ولا يجوز له أن يعصي اللّه أو يخالفه إذ ربما أتاه الموت وهو على تلك الحالة السيئة التي لم يتداركها بالتوبة فيهلك نفسه ويوبق آخرته . إنها ميتة السوء تلك التي تأتي الإنسان وهو على معصية من معاصي اللّه . . . وما أشأمها من ميتة وما أقبحه من مصير . . . أدركه الموت وهو متلبس بالجريمة والمخالفة . . . لقد قبض عليه بالجرم المشهود . . . قبض عليه وكلتا يديه في دم الضحية سابحة . . . وما أصعب الإجابة عندها . . . وما أقبح الاعتذار هل يستطيع أن يقف أمام المحكمة العادلة التي

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية - 78 .