السيد عباس علي الموسوي
324
شرح نهج البلاغة
أنفسهم وخافوا من ذنوبهم فبكوا ، وتأسفوا وتحسروا ، وندموا على ما مضى من أعمارهم . إن هذه العقبة قد نظر إليها أناس بعين البصيرة فرسموا لها طريق الخلاص فكانوا والجنة كمن هم فيها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن هم فيها فهم فيها معذبون . . . كانوا يعدون العدة لاجتيازها بكل يسر وسهولة . . . كانوا يعرفون أن الأوزار والآثام وأفعال الحرام والاعتداء على الناس والظلم والتجاوز على العباد كلها أثقال تبطى ء الإنسان عن اجتيازها ، فلذا لم يفعلوا حراما ولم يكسبوا مأثما ، بل إن الأئمة كانوا في مواقفهم أمام اللّه يحسبون له الحساب ويستعدون ليوم اللقاء وهم المعصومون المنزهون الذين لم يقترفوا ذنبا ولم يفعلوا حراما . فاسمعوا إلى الإمام زين العابدين في حديث طاوس اليماني . . . يقول طاوس : رأيت علي بن الحسين يطوف من العشاء إلى سحر ويتعبد فلما لم ير أحدا رمق السماء بطرفه وقال : إلهي غارت نجوم سماواتك وهجعت عيون أنامك وأبوابك مفتحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدّي محمد في عرصات القيامة ثم بكى وقال : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك ولا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرض ولكن سولت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ فأنا الآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط . ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربي ثم بكي وقال : أتحرقني بالنار يا غاية المنى * فأين رجائي ثم أين محبتي أتيت بأعمال قباح ردية * وما في الورى جنى كجنايتي ثم بكى وقال : سبحانك تعصى كأنك لا ترى وتحلم كأنك لم تعص ، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم وأنت يا سيدي الغني عنهم . ثم خرّ إلى الأرض ساجدا فدنوت منه وشلت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده فاستوى جالسا وقال : من ذا الذي شغلني عن ذكر ربي فقلت : أنا طاوس يا ابن رسول اللّه ، ما هذا الجزع والفزع ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون ، أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء وجدك رسول اللّه . قال : فالتفت إليّ وقال : هيهات ، هيهات يا طاوس دع عني حديث أبي وأمي وجدي ، خلق اللّه الجنة لمن أطاعه ولو كان حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيدا قرشيا ، أما سمعت قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ . . . واللّه