السيد عباس علي الموسوي

325

شرح نهج البلاغة

لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح . . . ففي هذه الحادثة الرائعة نقف أمام نموذج من أرقى النماذج البشرية على الإطلاق وندرك السر العميق في تقدم أهل البيت صلوات اللّه عليهم على جميع العالمين . إنهم عرفوا الحقيقة ووقفوا عليها وعاشوا معها وتفاعلوا مع إرادتها فكانوا من أخلص الناس للهّ وأشدهم تعبدا له ورهبة منه . كانوا يعدون العدة لذلك الموقف الرهيب ويستعدون للإجابة عن كل حركة قاموا بها أو يقومون . إنهم لم يعصوا اللّه ما أمرهم ومع ذلك كانت هذه سيرتهم . . . كانوا يرسمون لنا الطريق ويضعون لنا المعالم البارزة التي تقودنا إلى مرضاة اللّه وجنانه . . . فإن هذه العقبة لا بد وأن توصل إلى أحد موضعين ، في أحدهما يجد الإنسان النعيم والسرور والكرامة والعزة وفي الآخر يجد الذل والهوان والخزي والعار ، في الأول يدرك رضا اللّه ويفوز بجنة عرضها السماوات والأرض وفي الآخر يهوي إلى النار وغضب الجبار ، ويا بئس المنزل والمكان . إن هذه النتيجة التي تنتظر الإنسان بعد العقبة يستطيع أن يقررها بيده . وأي عاقل يتنازل عن الجنة وما فيها وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولكن هذا المقصد والهدف يتطلب منك أن تقدم أمامك وأنت في دار الدنيا ، أن تقدم ما يؤهلك للوصول إلى مرادك . وما يؤهلك لذلك إنما هو العمل الصالح والإحسان للناس ومعونتهم وتخفيف آلامهم والقيام بأوامر اللّه كلها والاجتناب عن معاصيه كلها ، فإذا الجنة بين يديك وإذا أنت في رياضها ونعيمها . . . وأما إذا وفدت بدون أعمال صالحة فليس لك عودة إلى الدنيا كي تحسن أعمالك وتقوم بالواجب عليك وتدرك الجنة من جديد . إنه امتحان واحد من استعد له ونجح فاز ومن أهمل وضيّع سقط ولم يفلح ولم يستطع تدارك ما فات . . . ( واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يعيرك بالإنابة ، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ولم يؤيسك من الرحمة ، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المثاب وباب الاستعتاب ) في هذا الفصل الشريف من الوصية العلوية يطرح الإمام أمامنا مسألتين وهما من صلب الإيمان ومن أهم الواجبات في الإسلام ( الدعاء ، والتوبة ) ونحن نريد أن نقف أمام كل موضوع وقفة قصيرة .