السيد عباس علي الموسوي

305

شرح نهج البلاغة

يروي الشيخ الصدوق حيث يقول : إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين فقال : يا أمير المؤمنين أتقول : إن اللّه واحد قال : فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما نرى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب . فقال أمير المؤمنين ( ع ) : دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم . ثم قال : إن القول في أن اللّه واحد على أربعة أقسام ، منها وجهان لا يجوزان على اللّه عز وجل ووجهان يثبتان فيه ، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال : إنه ثالث ثلاثة . وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه وجلّ ربنا وتعالى عن ذلك . وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا ، وقول القائل : إنه عز وجل أحديّ المعنى ، يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عز وجل . واللّه سبحانه الذي هو واجب الوجود ومبدع الوجود لا يمكن لأحد أن يضادهّ في ملكه ، فبيده عالم التكوين وعالم التشريع ، بيده خلق الكائنات بكلمة ( كن ) يكون كل شيء ، كما أن الأمر والنهي بيده فهو الذي أرسل الأنبياء وأنزل الكتب وليس لأحد من خلقه أن يتصرف تكوينا أو تشريعا إلا بإذنه وأمره . كما أنه سبحانه وتعالى : « لا يزول أبدا ولم يزل أول قبل الأشياء بلا أولية وآخر بعد الأشياء بلا نهاية » ، ومعنى أنه لا يزول أبدا ولم يزل هو عين ما عبر عنه المتكلمون عند حديثهم عن صفاته تعالى حيث يقولون : إنه قديم أزلي بمعنى أنه لا أول لوجوده ، باق أبدي بمعنى أنه لا آخر لوجوده وذلك لأنه واجب الوجود لذاته فيستحيل عليه تطرق العدم السابق واللاحق وإلا لما كان واجبا . وقول الإمام : « أول قبل الأشياء بلا أولية وآخر بعد الأشياء بلا نهاية » بمثابة التفسير لقوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ . . . وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، يعني ليس قبله شيء ولا بعده شيء . ثم إن الإمام يصف اللّه بما هو حقه حيث يقول : « عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر » ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم حيث يقول : لا تدُرْكِهُُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ويقول أمير المؤمنين في فقراته التوحيدية عندما يسأله ذعلب اليماني قائلا له : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ، فقال أمير المؤمنين :