السيد عباس علي الموسوي
306
شرح نهج البلاغة
أفأعبد ما لا أرى فقال : وكيف تراه فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكنه تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء غير ملابس ، بعيد عنها غير مباين ، متكلم لا بروّية ، مريد لا بهمة ، صانع لا بجارحة . . . ويقول في موضع آخر من نهجه : الأول لا شيء قبله ، والآخر لا غاية له ، لا تقع الأوهام له على صفة ولا تعتد القلوب منه على كيفية ، ولا تناله التجزئة والتبعيض ولا تحيط به الأبصار والقلوب . . . ويقول في موضع آخر : لا يدرك بوهم ولا يقدر بفهم لا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ولا يحدّ بأين ، ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس . . . ويقول عليه السلام أيضا : أول الدين معرفته - معرفة اللّه - وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه ، فقد ثناّه ، ومن ثناّه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدهّ ، ومن حدهّ فقد عدهّ ، ومن قال : فيم فقد ضمنّه ، ومن قال : علام فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والآلة بصير إذ لا منظور إليه من خلقه . . . ومضافا إلى ذلك فإن المرئي محدود ويكون جسما والجسم محتاج . واللّه سبحانه غني غير مركب ولا محتاج إلى أجزائه كما أنه ليس محتاجا لغيره . واللّه سبحانه بنفسه ينفي رؤية الناس له حيث نفاها عن أقرب المقربين إليه وهم الأنبياء ، ففي جواب موسى حيث طلب الرؤية بقوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فقال تعالى : لَنْ تَرانِي . . . فربوبية اللّه وهيمنته على الوجود وإثبات صفاته من علم وقدرة وحياة ووحدانية وغيرها من صفات الكمال أو صفات الجلال كلها تثبت بالفطرة ، وبدليل العقل والوجدان وبسائر الأدلة الأخرى التي يقر الإنسان ويعترف من خلالها بأن اللّه وحده الصانع المكوّن ، وأما أن ترى اللّه كما ترى غيره من الأشياء والأمور المحسوسة فهذا يتناقض وعقيدتنا الإلهية في الإسلام . ومن هنا يبطل ادّعاء من يقول أن المسيح هو اللّه . . . وكيف يكون العاجز ربا وكيف يكون المخلوق ربا . . . وكيف يكون المحتاج ربا وكيف يموت هذا الإله وكيف يطرأ عليه الصلب بزعمهم إن ربا لا يدفع الصلب والقتل عن نفسه هذا - ليس ربا يستحق العبادة أو التوجه نحوه . إن ربنا تعالى جل ذكره