السيد عباس علي الموسوي
297
شرح نهج البلاغة
مناكب الأرض من أجل الربح وتوفير الحياة السعيدة ، وهو الذي أمرنا بالعودة إلى الطبيب عند حصول المرض ، وهكذا جميع الأسباب التي كانت محققة لمسبباتها ، ولذا نجد بعض الأحاديث تصرح أن اللّه لا يستجيب دعاء ( اللهم ارزقني ) لمن جلس في بيته واكتفى بالدعاء دون الخروج والسعي في سبيل تحصيله . نعم إن نظر المؤمن وإيمانه هو أن هذا السبب وضعه اللّه تعالى لذاك المسبب ، وقدرة اللّه يمكن أن تتدخل لترفع مفعول هذا السبب وتمنعه من التأثير كما حصل في نار الخليل إبراهيم حيث قال اللّه لها : كُونِي بَرْداً وَسَلاماً وكما في معاجز الأنبياء التي خرقت قانون الأسباب والمسببات ، فإن اللّه تعالى يملك كل شيء وقادر على كل شيء . . . ثم إن الإمام ينبه إلى حال الدنيا وأنها لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء ، فإن النعم تضع الإنسان وجها لوجه أمام فضل اللّه ورحمته ، وعطائه وجوده . إن هذه النعم تجعل من هذا الإنسان عنصرا صالحا يبحث عن كل السبل التي تؤدي به إلى شكر هذه النعم وأدامتها عليه . . . إنه ينظر إلى نفسه وجسده ويقف أمام كل جارحة من جوارحه وقفة تأمل وتبصر ، يقف أمام عينه ويبحث فيها بدقة كيف تكشف الأمور وتعكس الأشياء وهي بعد على صغرها تستوعب ما يحيط بها وما يقع تحتها من أمور ، ينظر إلى تركيبها وشرايينها وإلى عظمة اللّه فيها . . . ينظر إلى أذنه ، هذا الجهاز اللاقط الذي يسمع به الأصوات على اختلافها ويميز بين الحسن منها والقبيح وبين القوي والضعيف . . . وينظر إلى يده وينظر إلى رجله بل ينظر إلى أي عضو منه فإنه يرى النعمة فيه والفضل في عطائه . . . إن هذه النعم تحتاج إلى الشكر . . . تحتاج إلى قلب واع ونفس صافية وضمير طاهر . . . تحتاج إلى لفتة من هذا الإنسان كي يعترف ويقر بالعجز عن أداء شكرها . وفي المقابل يجب أن ينظر إلى أهل الابتلاءات والمصائب ، إلى المرضى والزمنى ، وإلى الفقراء والمساكين ، وإلى الأيتام والمحتاجين . . . ينظر إلى كل كارثة أو حادثة مؤلمة ليأخذ منها درسا عمليا يعيشه مع شخصه ونفسه فيأخذ العبرة منه والعظة وتكون هذه العبر محطات يتزود فيها التقوى والعمل الصالح وحب الخير والإحسان . . . إن هذه الدنيا لم تكن لتستقر وتهدأ وتبنى وتعمر إلا بتركيبتها القائمة ، فلو أن كل الناس في حالة من الرخاء والدعة لدفع هذا الوضع إلى نسيان الآخرة ، ولو أن الناس كلهم في فقر ومسكنة لأوجب ذلك كفرا وفسادا ، ولو أن الناس لا يموتون أبدا لتكاثروا إلى درجة تضر بالجميع . . . ولو أن الناس كلهم في رغبة واحدة ورأي واحد لوقع الاضطراب في الأعمال عسرا ويسرا في دفة الحياة . . . إن هذه الدنيا بصيغتها الربانية هي