السيد عباس علي الموسوي
298
شرح نهج البلاغة
أبدع ما يجب عليه أن تكون . . . ففيها الخيرون وفيها الأشرار وفيها المعافون وفيها المبتلون وفيها . . . وفيها . . . اختلاف في الطبقات والأذواق والمعاش والصحة والمرض وغيرها لعمارة الحياة وبنائها . إن هذه الدنيا محطة اختبار يجري على ثراها ، تميز الصالح من الطالح ، وفيها شوط قصير ينجح خلاله الفائزون ويسقط المقصرون . واللّه سبحانه يعد للمطيعين جنات تجري من تحتها الأنهار عند مليك مقتدر ، يجدون فيها نتيجة أتعابهم وجهادهم وما قدموه من الخيرات والأعمال الصالحة . إن النتيجة لا تظهر إلا في ذلك اليوم الذي تجري فيه تصفية الحسابات ، إنه يوم القيامة . . . وقد يعجل اللّه لبعض عباده أجرا أو عقابا كي يرده إلى الطريق السليم فيكون ذلك لصالحه . إنه يذيقه حلاوة الطاعة كي يزداد منها ، كما أنه قد يذيقه مرارة العذاب كي يرده إلى العدل والاستقامة . . . إنه اللّه تعالى الذي خلق الدنيا ويعلم ما يصلحها مما يفسدها . ثم إن الإمام يلفت النظر إلى أنه إذا أشكل علينا شيء ولم نفهم وجه الحكمة فيه ، ولم ندرك أسراره وأبعاده ، فعلينا أن لا ننكره ونجحد تشريعه ونرفض قبوله . . . وكأن الإمام ينظر إلى نماذج عاشت معه ومرت في هذا الطريق ، كما نرى نحن اليوم الجهلة وأنصاف المتعلمين كيف يرفضون بعض الأحكام لمجرد أنها لا تعجب أذواقهم ولا تتوافق مع رغباتهم . . . إننا نرى ونبصر وتمر علينا الدمى المتحركة التي تقوم في كل مكان ومحل ، وفي كل شارع وزاوية تارة تعترض على هذا الحكم . . . وأخرى ترفض ذلك الحكم . . . وثالثة تشكك في أحقية هذه القضية وهكذا دواليك . . . ويا ليتها تمتلك الرصيد العلمي الذي يبيح لها جواز الكلام والحديث في هذا المضمار . . . ليتها تمتلك مقومات إبداء النظر وحق النقض والإبرام . . . إنها عزلاء من كل أسلحة العلم والمعرفة لا تمتلك إلا كلمة ( لا . . . ) رفضا لكل ما لا يعجبها ، وقد تكون في بعض الأحيان مدفوعة بحب الظهور والمخالفة من باب ( خالف تعرف . . . ) إن هذه الطبقة من الناس ، وإن لم يكن لها الحق في الرفض والنقض ولكنها للطلاء الذي موهت نفسها فيه ، وهو طلاء الثقافة العصرية ، قد غرت الكثير من الناس بآرائها ، وصورت لهم أنها بما حصلت عليه من شهادات مزورة ، وثقافة فارغة ، تمتلك حق ابداء وجهات النظر . . . وأما الطبقة الواعية الجديرة بحق النقض وإبداء الرأي ، هذه الطبقة تحترم نفسها وعقلها ولا تقدم على رفض رأي إلا بعد أن تقيم الأدلة الناطقة على رفضه . . . إنها تبقى في حالة توقف دون رأي حتى يتضح الأمر كنور الشمس ، وحتى يسطع الدليل والبرهان كفلق الصبح . . . إنها تحترم عقلها ورأيها ، فلذا تتوقف عن إصدار الأحكام حتى تتيقن منها . . . إن الطريقة العلمية التي تسد جميع الاحتمالات في المسألة المعروضة وتبرهن