السيد عباس علي الموسوي

296

شرح نهج البلاغة

عصره ادعى أنه يستطيع هبة الحياة كما يستطيع أن يقضي عليها ، وكيف رد عليه إبراهيم الخليل حجته وأفحمه ، كما ينقل إلينا قصة ذلك الرجل الذي مر على القرية الخاوية فتعجب كيف يحييها اللّه ، فأعطاه اللّه مثلا حيا من نفسه ومن حماره ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي ربَهِِّ أَنْ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ، قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ . ( 1 ) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ : أَنّى يُحْيِي هذهِِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها ، فأَمَاتهَُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بعَثَهَُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يتَسَنَهَّْ ، وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إن أمير المؤمنين يريد أن يحرر هذا الإنسان من الذل والخنوع والعبودية والاستسلام عن طريق الإلقاء في روعه أن الحياة والموت بيد اللّه ، وإذا كانت هذه بيد اللّه ، وهو الذي يملكها ، فلا يجوز لهذا المخلوق أن يخاف أحدا عليها ، بل إن عليه أن يعتصم باللهّ ويلتجى ء إليه ويتخذه كهفا وحرزا ، ويعقد القلب على أن الإنسان مهما أعطي من قوة وامتلك من حيلة ومكر فإنه لن يستطيع أن يؤثّر على غيره إذا أراد اللّه أن يمنعه عن التأثير والإيذاء وهذا ما أشار إليه الحديث الوارد عن المعصومين . . . - فعن أبي عبد الله ( ع ) قال : كان علي بن أبي طالب ( ع ) يقول : « لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن الضار النافع هو اللّه عز وجل » . فإن قلت : إذا كان الأمر كله يرجع إلى اللّه . . . الحياة والموت المعاناة ، والابتلاء ، فما معنى رجوعنا إلى غيره كرجوعنا إلى الطبيب عند المرض ورجوعنا إلى التجارة والاكتساب عند إرادة الربح وطلبه ورجوعنا إلى دفع المحاذير التي يمكن أن تلحقنا من جراء بقائنا تحت سقف يصر ، أو حائط يخر أو زلزال يمر . . . قلنا : إن رجوعنا إلى تلك الأسباب رجوع إلى اللّه باعتبار أنه هو الذي وفرها للإنسان وأمر باتباعها ، وأوصى بالاقتفاء لأثرها ، إنه تعالى هو الذي طلب منا السعي في

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية - 158 - 259 .