السيد عباس علي الموسوي
293
شرح نهج البلاغة
واحدا ، فانظر فيما فسرت لك ، وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء ، وتتورط الظلماء . وليس طالب الدين من خبط أو خلط ، والإمساك عن ذلك أمثل ) في هذا الفصل من الوصية يقف الإمام ليعطي درسا لكل المتعلمين الذين يريدون الغوص في عالم المعقولات والمجردات ، الذين يريدون أن يدخلوا إلى عمق الأمور وحقائقها ويستكنهوا لباب الأشياء وأسرارها . إن هناك عالما مجهولا إذا دخله الإنسان بدون دليل معه أو بدون أن توضع له معالم تحدد له وجهة المسير سوف يضل ويتيه وقد يعود إلى النقطة التي انطلق منها على أحسن التقادير إن لم يستمر في التيه والضلال حتى ينقضي العمر وتدبر الأيام . إن الدخول في أمور يكثر فيها الزلل والخطل ويتعرض الإنسان خلالها إلى مزالق كثيرة لا تحصى ، يجب قبل الخوض في عباب ذلك المجهول أن يعد العدة ويشحذ الهمة ويكون مؤهلا لخوض هذه المعركة التي لم يعرف فيها النجاح من الفشل ، يجب أن يهيء الأسباب التي توفر له النجاح والفوز والعودة بالظفر بعد تجوال قد يستمر طويلا في استخراج النتيجة التي يرضاها اللّه ويحبها . . . إن للمتعلمين صفات وضعها علماء الأخلاق والآداب وقد ذكر الشهيد الثاني في كتابه ( منية المريد في آداب المفيد والمستفيد ) ، ما يجب أن يتحلى به طالب العلم في نفسه من الإيمان والتقوى والإخلاص وما يجب أن يوفره لنفسه من الصفات أمام شيخه وأستاذه وإلى غير ذلك مما رشح به قلمه السعيد في استخلاص هذه الفوائد الجليلة . وإن الإمام هنا يلقي الأضواء أمام المتعلم الذي يريد أن يحرر بعض هذه المسائل المهمة فيقول له : 1 - يجب أولا أن يطلب هذه المطالب المهمة من أجل الفهم والعلم ، من أجل الوصول إلى الحقيقة التي هي أنشودة المخلصين لا أن يطلب هذه الأمور ليزيد الشبهات ويتخذها عضدا له في الخصومات . . . 2 - يجب عليه أن يبتدى ء قبل كل شيء بطلب الاستعانة من اللّه بالتوفيق إلى وجوه الصواب وإدراك الحقائق والثبوت على الاستقامة وهذا التوجه الرباني مطلوب من الإنسان في كل أعماله وتصرفاته ، فإن طلب المدد من اللّه والاستعانة به يجب أن لا ينقطع عنه أو يتهاون فيه . . . 3 - يجب أن يكون بحث هذه القضايا بحثا موضوعيا دون أن تشده المذاهب والأهواء إلى رأي معين أو جهة معينة بل يتخذ الحق والعلم وجهته ، أن يبني بينه وبين