السيد عباس علي الموسوي

294

شرح نهج البلاغة

نفسه أنه سيتخذ الدليل والبرهان هدفا له في الوصول إلى الحقيقة دون أي أمر آخر ، وما أصعب وأشق البحث الموضوعي النزيه فإنه أصعب من إزالة الجبال عن أماكنها . وأنّى للرجال أن يتركوا موروثات قومهم ويتخلوا عن عادات أهلهم ويتجاهلوا دين أسلافهم إننا رأينا بعض المفكرين تعصبا منه لمذهبه أو قومه ينحرف عن الاستقامة ويسف في التفكير ويطوّع آيات اللّه وكلامه زورا وبهتانا من أجل أن تتفق وما عنده من رواسب مذهبية وعادات قومية . . . رأينا ذلك الشموخ في الرأي والأصالة في البحث كلها تتهاوى عند الدخول في بحث العقيدة والأديان . . . إنه لا يستطع أن يتخذ الموضوعية باستمرار بل يتخذها في ما لا يضره ولا يؤذي حسه الديني أو التقليدي . . . ثم إن الإمام بعد أن يحدد له هذه الخطوط العريضة في منهج البحث يقول له : فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع وكان همك واحدا - وهو الوصول إلى الحقيقة وإدراك الواقع - فانظر في ما فسرت لك . . . وأما إذا لم يتوفر له ذلك بل كان قصده من أول الأمر خلاف هذه الشروط فلا بد أن يتيه ويضل ويخبط خبط الأعمى الذي لا يهتدي الطريق أو خبط السائر في ظلمات الليل البهيم مع جهله وعدم الدليل . . . وطالب الدين بعيد كل البعد عن مثل هذه المهاوي والأضاليل . ( فتفهم يا بني وصيتي ، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة ، وأن الخالق هو المميت ، وأن المفني هو المعيد ، وأن المبتلي هو المعافي ، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد ، أو ما شاء مما لا تعلم ، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك ، فإنك أول ما خلقت به جاهلا ثم علمت ، وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ، ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك ، وليكن له تعبدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك ) لقد تعلقت قلوب الأئمة باللهّ وانقطعت عما عداه ، فهي تعيش معه في كل لحظات وجودها ، في السر والعلن ، في الليل والنهار ، في البيت والشارع ، عند الأكل والشرب ، في اللذة والألم ، لقد تحولت تلك القلوب إلى محاريب لا ترى فيها غير اللّه . . . إن هذه القلوب قد اتصلت باللهّ وأولته كل شيء ، وتوجهت نحوه في كل شيء . . . إنها أعطته الذمام المطلق ، فله حق الأمر ، كما له حق النهي ، وبيده الحياة ، كما أن بيده الموت . . . إن هذه الأنفاس العالية غرست في كل نفوس المحبين والمطيعين والسائرين على خط هؤلاء الأئمة العظام . . . إن غريزة حب الحياة واستمرارية الدوام فيها أهم ما ينظر إليه الإنسان ، فقد يتخلى