السيد عباس علي الموسوي

292

شرح نهج البلاغة

بالقيام بجميع الواجبات المفروضة على الإنسان والاجتناب عن جميع المحرمات تتحقق التقوى وتقبل الأعمال وبدون ذلك لا يقبل عمل ولا يثاب عامل ، وإنما العمل يسقط العقاب فحسب . . . والإمام هنا في وصيته يسكب في روع ولده وروع كل الناس أن يتمسكوا بهذه الخصلة الشريفة التي لا تعادلها خصلة ويضعها الإمام في هذه العبارة الجميلة والصياغة اللطيفة قائلا : « واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إليّ من وصيتي تقوى اللّه والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك من الواجبات وترك المحرمات التي بها يتم العمل الصالح وتتحقق التقوى وتكون سهلة المنال لا ترهق كاهل العامل ولا تجعله يمل من الزيادة وكثرة العمل . ثم إن الإمام ذكّر ولده بسيرة الصالحين من أهل بيته من أجداده وأعمامه الذين نظروا في أمور الدنيا والآخرة ، ذكره بهم وبما كانوا عليه من التفكير في مصالحهم وما ينفعهم . . . فإن هؤلاء العظماء كانوا على جانب كبير من رجحان العقل وسلامته وأنهم لم يدخلوا في الإسلام إلا بعد أن ثبت لهم صحته كدين وثبت لهم صدق الرسول في دعواه النبوّة ، فإن حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله قد آمن بالنبي ودافع عنه ورد كيد المشركين والكفار وكل أذية كانت تصل إلى الرسول الأكرم وقد اندفع في « أحد » يقاتل في سبيل اللّه حتى سقط شهيدا مضمخا بدمه . . . وكذلك جعفر بن أبي طالب الذي هاجر في سبيل اللّه ثم استشهد في « مؤتة » مسطرا أروع البطولات وأعظمها . وهكذا غيرهما من أقرباء النبي وأهل بيته قد نظروا إلى الدنيا وفكروا فيها واختاروا لأنفسهم أقرب الطرق إلى اللّه وأصلحها لهم في دنياهم وآخرتهم . . . إن هذا الرعيل من الصالحين كانوا يمثلون الطلائع الواعية في مجتمعهم ، لم تكن تصرفاتهم خاضعة للأهواء والميول أو للعصبية والمزاج ، وإنما كانت تنطلق من قناعات صحيحة وسليمة فأخذوا بما عرفوا من شرائع الدين وأحكامه وقوانينه وسننه وكفوا عما لم يكلفوا فيه مما هو محجوب عنهم أو غير مطلوب منهم . ( فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا ، فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم ، لا بتورط الشبهات ، وعلق الخصومات . وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك ، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلاله ، فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع ، وكان همك في ذلك هما