السيد عباس علي الموسوي
288
شرح نهج البلاغة
حياتي حياة السابقين كلهم ولكن نظرت في أعمالهم ما ذا فعل فرعون وهامان وكيف قابل موسى طغيانهما وعنادهما للحق كيف عقر الشقي ناقة صالح ووافقه قومه على فعله وكيف كان رد اللّه عليهم ، إنه نظر في أفعال الأنبياء وأعمالهم كما نظر في أفعال الطغاة وأعمالهم وأخذ من كل منهم العظة والعبرة . إنه وقف على الدروس التي تؤهله لجنة اللّه كما وقف على الدروس التي تبعده عن نار اللّه ، إنه على علم بكل ما جرى في ماضي الأمم وسوابقها لأنه نظر في أعمالهم وفكر في أخبارهم وسار في آثارهم وما تركوه من شواهد على إيمانهم أو على كفرهم ، على حقهم أو على باطلهم . إنه بعد أن درس أحوالهم بشكل دقيق وعميق عاد وكأنه عايشهم كلهم ، كأنه رافق أولهم وبقي مستمرا إلى يومه هذا . فإن العبرة بما يحصل عليه الإنسان من العلم والتحليل والبحث والتحقيق وأخذ صفو ذلك كله من أجل بناء حياة يرضاها اللّه ويحبها ولذا يقول الإمام : فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ( صفوه ) وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله . ( ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر ، ذو نية سليمة ، ونفس صافية ، وأن ابتدئك بتعليم كتاب اللّه عز وجل وتأويله ، وشرائع الإسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ) هكذا تتجسد الأبوّة حبا وعطفا وحنانا وتتحرك في ضمير أبنائها زارعة الخير ، ناظرة ما يصلحهم في أمور دنياهم وآخرتهم . . . إن شفقة الأبوة وحنانها تستدعي منها المسارعة في تلقين الأبناء مبادئ الأدب والاحترام ومبادئ الحلال والحرام كما تعلمهم كتاب اللّه الذي هو المفتاح لكل خير والناهي عن كل شر . . . إن كتاب اللّه هو المصدر الرئيسي لكل المسلمين . . . ففيه الأحكام من حلال وحرام ، وفيه القصص والحكم ، وفيه الآداب والأخلاق ، فيه الحدود والديات ، فيه القصاص والعقوبات ، فيه العبادات والمعاملات ، إنه كتاب الحياة بجميع أدوارها ومختلف شؤونها وأطوارها يتناول الإنسان كما يتناول الكون ويتناول الدنيا ، كما يتناول الآخرة ، إنه الحياة للقلوب والجلاء للنفوس ، والعروة للوحدة والملتقى لكل المسلمين . إن هذا الكتاب خلق من رعاة الإبل والشاء رعاة للعالم بأسره وصنع من الضائعين في متاهات الصحراء أمة من أرقى الأمم وأعظمها ، وبني من نفوس القتلة والمجرمين نفوسا تقية صالحة تحب الخير وتعمل به وتدعو إليه . . .