السيد عباس علي الموسوي

289

شرح نهج البلاغة

ولكن وللأسف الشديد ، عندما تركنا العمل بهذا القرآن وأهملنا النظر في أحكامه وعطلنا حدوده ، عندما تركناه وراء ظهورنا واستبدلنا به غيره كانت النتيجة خسارة فادحة وضربة قاصمة أصابت المقاتل منا حيث أضحينا في تفكك وانهيار وعبودية وإذلال . إن تلك الأمة العظيمة التي خلقها هذا القرآن عادت أحقر الأمم وأذلها عندما تركت العمل به وأهملت إقامة أحكامه وحدوده ، وما دور اليهود وأعمالهم اليوم في بلادنا من قتل وتشريد ومن احتلال وتنكيل ، إلا نتيجة للابتعاد عن هذا القرآن وترك العمل بمضامينه وتشريعاته . وما أعظم الأهل الذين يربون أولادهم على حب القرآن وتلاوته ويدربونهم للعمل بمضمونه آية آية ، وحكما حكما . ويأخذون بأيديهم إلى مواطن الأدب فيؤدبونهم بها وإلى مواطن العظة فيعظونهم بها ، وإلى كل عبرة فيه ومثل فيقدمون لهم العبر ويضربون لهم الأمثال . إن أعظم ما يقدمه الأهل لأبنائهم أن يخلقوا منهم أشخاصا تتحرك بالقرآن وتعمل به حتى يتحولوا في وقت ما إلى قرائين ناطقة تدب على وجه الأرض كما كان الإمام علي يعبر عن نفسه « أنا القرآن الناطق وذاك القرآن الصامت » ، فإن شدة الانسجام والالتحام وقوة التأثر واللقاء تجعل من الإنسان قرآنا في إهاب إنسان بحيث تتحول كل حركات هذا الإنسان وتصرفاته ترجمة حرفية لمضمون الآيات . إن الأهل إذا اعتنوا بالأولاد فزرعوا في نفوسهم القرآن والسنّة وأوضحوا لهم معالم الحلال والحرام وأخذ الطفل مع نموهّ المتصاعد تتعمق عقيدته في اللّه وتتركز معاني الحلال والحرام عنده كانوا قد أدوا واجبهم ، وإنه لا يأتي سن البلوغ إلا وقد بلغ الدرجة العليا في العقيدة والعمل والرؤية الإسلامية السليمة . أما لو كان الأهل يفقدون هذه الالتفاتة وهذه التربية ولم يهتموا بهذه الجوانب من التربية القرآنية بالخصوص والإسلامية بالعموم بل يتركون الأبناء للأقدار وللمجتمع الفاسد والتيارات الوافدة ، يتركونهم للمدرسة التي تقتل فيهم التطلع نحو الإسلام والعمل بمضمونه وتقضي على كل حرف يستمد من القرآن أو يعتمد عليه ، فإنه لا محالة تخلق الأجيال المتنكرة لدينها ومبادئها المستهزئة بكل معالم الخير والمثل التي ينشدها الإسلام وينادي بها . . . ومن هنا ينبه الإمام في وصيته هذه إلى هذه الجهة من الاهتمام بالقرآن وتوضيح معالم الحلال والحرام لهذا الناشى ء الصغير فإن هذه الأمور إذا غرست في نفس الطفل أثمرت وأعطت أحسن الخيرات . . .