السيد عباس علي الموسوي

287

شرح نهج البلاغة

الجريمة والفساد في نفس الطفل ، فإن صلاحه يتوقف على نزع هذه البذور المتأصلة وهدم المفاسد المتأججة في نفسه وهذا يحتاج إلى مدة مديدة - إن قدر على اقتلاعها الإنسان - ثم بعد الاقتلاع يبتدى ء زرع المفاهيم الصالحة من جديد وهذا يستغرق وقتا طويلا وقد لا يوفق الإنسان إلى هذه العملية خصوصا إذا كانت تيارات الأعداء ودعاياتهم كثيرة وتتوافق مع ميول النفس الشريرة ونزواتها ، فإن هذه الطريق تكاد أن تفقد مفعولها إن لم نقل إنها عقيمة عن إعطاء أي النتائج . . . ومن هنا يجب على أولياء الطفل أن يبادروا إلى تأديبه وتهذيبه كما يقول الإمام : فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك . ثم إن الإمام أراد أن يحبب إليه هذه الوصية ويرغبه في قبولها والعناية بها وذلك بذكر الأتعاب والمشقات التي خاضها أهل التجارب كي يحصلوا على ما حصلوا عليه ، إنهم تعبوا وكدوا واجتهدوا وأخطئوا كثيرا حتى استطاعوا أن يحصلوا على النتيجة التي وصلوا إليها . إن النتائج التي بأيدينا لم تأت بهذه السهولة واليسر الذي يتصوره بعض الناس بل كانت حصيلة سنين متمادية تخللها كثير من العرق والدموع بل من الدماء في بعض الأحيان . وإن هذه العلوم التي توصل إليها الإنسان والمعارف التي حصل عليها كانت نتيجة طاقات هائلة من العقل والفكر بذلت في هذا الطريق من أجل هذه الغاية . والإنسان إذا التفت إلى تلك النتائج حق له أن يأخذها ويعتبر بها بل وجب عليه أن يأخذها ليسر مأخذها وسهولته فإنهم كفونا مئونة الطلب والتعب وأعفينا من علاج التجربة التي تحمل الأخطاء والعثرات بل حصلنا على النتيجة بفضل تجارب الأولين وأتعابهم . ( أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ، وتوخيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ) في هذا الفصل الشريف من الوصية بيان مرغب لقبولها ودفع لما يتوهم من أنه كيف يقبلها الإنسان وهي تجربة لزمن قصير وأيام معدودة . إن فترة ستين سنة من عمر الإمام مدة قصيرة بحساب الزمن وعمقه وامتداده الطويل فكيف تكون هذه الفترة مؤهلة لإعطاء النصائح التي تستوعب الزمان وتغوص في أحشائه لتستخرج حكم الحياة وعبرها وما فيها من الخير والشر إنه عليه السلام أراد أن يدفع هذا التوهم بقوله : أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، ولم تستوعب