السيد عباس علي الموسوي

286

شرح نهج البلاغة

الطفل كالعجينة الرخوة تستطيع أن تصنعها ما شئت ، تستطيع أن تخلق منه بطلا رساليا كما تستطيع أن تجعل منه مجرما تاريخيا ، تستطيع أن تجعله مهملا تافها يعيش الكسل والخمول لا يفكر إلا في اللذة كيف يقتنصها وفي اللهو كيف يحصل عليه ، كما تستطيع أن تجعل منه عنصرا فذا يتوقد نشاطا وحركة يفكر في نهضة أمته وإحياء تراثه وعودة إسلامه . . . إن مجتمعنا اليوم يفقد التربية الإسلامية الصحيحة لأن الأب والأم لا يهتمان إلا بإعالته ماديا من تنظيفه وتهيئة ملابسه ومطعمه ومشربه ، أما غيرها من الأمور الأخرى فإنهما يفقدانها من أنفسهما فكيف يعطيانها لغيرهما . وإذا خرجنا من البيت والأسرة إلى المدرسة فإننا نجدها أبعد ما يكون عن تلقين الإسلام وغرس مفاهيمه وأفكاره ، بل على العكس من ذلك نرى مناهج الدراسة تعطي أفكارا جاهلية قومية أو عنصرية أو عرقية أو إلحادية أو علمانية أو غيرها من الأباطيل التي حاربها الدين وقضى عليها ونجد المعلم يفقد العناصر المثالية التي يجب أن تتوفر في القدوة والأسوة باعتباره المثل الأعلى الذي ينظر إليه الطفل ، فإذا كان المعلم فاسدا أخلاقيا أو متحللا اجتماعيا كيف يستطع أن يقدم للمجتمع عناصر صالحة . وإذا خرجنا إلى الحياة بشكل عام نجد الانحراف والضلال ، ففي السوق ينتشر الربا والتطفيف والغش والاحتيال ، وفي القضاء نجد الرشوة والمحاباة ، وفي الدولة نجد رجال السلطة وزبانية الحكم يستأثرون لأنفسهم وأقربائهم ومن حولهم من العصابات بأهم مرافق الدولة ومراكزها الحساسة دون كفاءة ولا أهلية ، وهكذا نجد المجتمع بجميع وسائله يتحول ضد الإسلام وضد التربية الإسلامية الصحيحة ، فإن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمصورة كلها تصب لصالح دعاة الانحلال والفوضى والفساد . وفي ضمن هذا الجوء الموبوء كيف يستطيع أن ينشأ الطفل نشأة إسلامية إنه يحتاج إلى مضاعفات من الجهد والتعب وإلى رقابة مستمرة من أوليائه وملاحقة دائمة لكل حركاته وتصرفاته فيشجعونه على الخيرات ويسددونه نحوها كما يردعونه عن المفسدات ويسدون في وجهه أبواب الضلال والفساد . إن الطفل يحتاج إلى البيت المسلم والمدرسة المسلمة والمجتمع المسلم وعندها تسهل تربيته ، وهذا ما أشار إليه الإمام بقوله : « وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شي قبلته » إن كان طيبا طاهرا قبله وإن كان نكدا خبيثا قبله ولذا يجب المسارعة في هذه الفترة إلى الأدب والتهذيب وإلى صب مفاهيم الخير والإحسان في ذهن الطفل كي تنمو وتتأصل ويستطيع أن يواجه الحياة بطهارة ونزاهة واستقامة ، وأما إذا غلب الانحراف وتأصلت بذور