السيد عباس علي الموسوي
285
شرح نهج البلاغة
فيشكلان توافقا وانسجاما مع بعضهما . ثم يأخذ الإسلام بيد هذا الطفل تدريجيا كي يصوغه صياغة صالحة فيمنع إرضاعه ممن ولدت من الزنا ، فعند ما يسأل الإمام عن امرأة ولدت من الزنا ، هل يصلح أن يسترضع بلبنها يقول : لا يصلح ولا لبن ابنتها التي ولدت من الزنا . . . وكذلك يمنعه عن لبن المجوسية واليهودية والنصرانية ، وهكذا عن الحمقاء والخبيثة ويقول فيهما : لا تسترضعوا الحمقاء ، فإن اللبن يغلب الطباع ويقول : استرضع لولدك بلبن الحسان وإياك والقباح ، فإن اللبن قد يعدي . وفي مقابل ذلك يأمر الولي أن يتخيّر للرضاع كما يتخير للنكاح ، ويقول : انظروا من يرضع أولادكم فإن الولد يشب عليه . ويقول : تخيروا للرضاع كما تخيرون للنكاح ، فإن الرضاع يغير الطباع . . . وبعد أن يشب الولد ويكبر يضع الإسلام للأبوين برنامجا تعليميا تربويا إن أخذا به أفلح الولد وسعد وإلا سقط وهوى . يقول الإمام الصادق ( ع ) : « دع ابنك يلعب سبع سنين والزمه نفسك سبع سنين » . وعن النبي - صلّى اللّه عليه وآله - : لأن يؤدب أحدكم ولدا خير له من أن يتصدق بنصف صاع كل يوم » . ويقول النبي - صلّى اللّه عليه وآله - أيضا : رحم اللّه من أعان ولده على بره ، قيل كيف يعينه ، قال : يضعه موضعا حسنا . ويقول أيضا : حق الولد على والده إذا كان ذكرا أن يستفره أمه ، ويستحسن اسمه ، ويعلمه كتاب اللّه ويطهره ويعلمه السباحة . ويقول النبي أيضا : رحم اللّه من أعان ولده على بره ، قيل كيف يعينه على بره قال : يقبل ميسوره ، ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق به . . . إن الطفل صفحة بيضاء تستطيع أن ترقم عليها الإسلام حكما حكما وشرعة شرعة كما تستطيع أن ترقم عليها الكفر والضلال والانحلال ، والخيار يرجع إلى المربي والكافل ، فإن كان صالحا حاول جهده في سبيل أن يزرع في نفس الطفل الخير والصلاح وكل المعاني الطيبة من الوفاء وأداء الأمانة والحب والبذل والعطاء ، وإن كان فاسدا زرع أضداد هذه المحاسن ، زرع الغدر ونكث العهد والبغض والأنانية والأثرة وكل المساوئ والقبائح . إن هذا الطفل يشب على ما يعودّه عليه مجتمعه الصغير والكبير : البيت والمدرسة والشارع ، فإن كانت كلها صالحة نشأ عنصرا صالحا ، وإن كانت فاسدة نشأ عنصرا فاسدا « إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت » .