السيد عباس علي الموسوي
284
شرح نهج البلاغة
تذوب فيها الرجولة وتتصابى أمامها الأبطال . إني لما رأيتني قد بلغت سنا : متقدمة لا بأس بها ورأيتني أزداد وهنا فإن الفتوة والشباب والقوة والقدرة ليست ملكات ثابتة وقادرة على الصمود أمام عوامل الزمن وتكرار الليالي والأيام ، بل إن كل تلك القوى والقدرات وكل ذلك الجسم العامر والصحة الوافرة كلها تذوب وتتراخى بفعل الزمن وضرباته . إن كل يوم يمضي يتلف نصيبا من أجسامنا حتى يأتي اليوم الذي يتهاوى الجسد كله ويموت . . . ولما كان الأمر كذلك بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي فإني أخاف أن يدركني الموت قبل أن أنفذ إليك وصيتي التي أعددتها لك . أو أخاف أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي فإن بعض الناس يفقد الذاكرة أو تضعف عنده هذه الملكة وهذا يؤدي إلى فقدان وصيته التي كان يجب أن يقدمها لأحبابه عندما كان يمتلك الرأي الصائب والنظرة الرشيدة ، وكما يجب على الإنسان أن يلاحظ الأمور المتعلقة فيه ويبادر إلى اغتنامها يجب أن يلاحظ الأمور المتعلقة بغيره ويغتنمها . ومن جملة هذه الأمور المتعلقة بالغير أن يغتنم القبول عنده أو يغتنم الطهارة والنزاهة والصفاء فيدخل إلى قلبه فيصلحه وإلى روحه فيداويها . وإن عالم الطفولة عالم البراءة والطهارة ، عالم الصفاء ، وفي هذا الوقت يقبل الطفل الترويض والتهذيب بينما إذا سبقت إليه الأشرار وغرست في نفسه الإجرام فإنه يصعب إصلاحه وردهّ إلى الخيرات والأعمال الصالحات . فلذا قال الإمام إن هذه الوصية كانت قبل أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور ، أي كالجمل الذي لا يسلس قياده لراكبه بل يستوحش من كل من رأى وهذا يؤدي إلى عدم تأثير الوصية وفقدان مفعولها . . . ( وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مئونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه ) وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته : وهذه حقيقة اهتم بها الإسلام وشرع لها أسلوبا فذا في زرع المفاهيم والأفكار الإسلامية ، فإن الشارع المقدس قد رسم للطفل عند ولادته سننا رائعة ، إنه ندب إلى الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى إن كلمة ( اللّه أكبر ) و ( لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ) وغيرها من فصول الأذان والإقامة تدخل نفس الطفل عند دخوله الحياة ورؤيته النور . يدخل الطفل الحياة وتدخل قلبه ترانيم الأذان كي يلتقي الدخولان دفعة واحدة