السيد عباس علي الموسوي
28
شرح نهج البلاغة
وقيل : هي بيوت الأنبياء . ويذكر فيها اسمه أي يتلى فيها كتابه وقيل : تذكر فيها أسماؤه الحسنى . يسبح له بالغدو والآصال أي يصلي له فيها بالبكور والعشايا . وقيل : المراد بالتسبيح تنزيه اللّه تعالى عما لا يجوز عليه ووصفه بالصفات التي يستحقها لذاته وأفعاله . . . وعلى كل حال بعد تلاوة الإمام لهذه الآية الكريمة قال عليه السلام : ( إن اللّه سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة ) قيل : إن الذكر يراد به القرآن وقيل : كل ما تحمد به اللّه وتسبحه به وتكبره وتهلله . وهذا الذكر يعني أن يعيش الإنسان مع اللّه ليس على مستوى اللسان فحسب بل هذا اللسان يتحول إلى ترجمة تنقل ما يدور في القلب وما يتحرك في داخله فإذا استطاع الإنسان أن يداوم على ذكر اللّه ويبقى معه فإنه بدون شك سيأتي الوقت الذي يمحى من صفحته كل ما عدا اللّه ويرتفع من أمامه كل ما سواه . . . هذا القلب عندما يعيش مع اللّه يتطهر ولا يبقى فيه حقد أو حسد أو نميمة أو أي أثر سئ لا يرضى اللّه عنه فلذا تجلى القلوب بذكر اللّه وترتفع عنها كل الأغشية وتتنظّف من كل غبار قد علق بها . . . وبهذا الذكر أيضا يرتفع الصمم وعدم التذكر فيبادر الإنسان إلى أخذ العبرة والاستفادة مما مر به غيره وابتلى به . وكذلك بهذا الذكر يبصر الإنسان الحقائق ويدرك الأمور على حقيقتها فترتفع عن عينيه الغشاوة . وكذلك يأتي الإنسان إلى بيت الطاعة بعد الهجر والمعاندة والمباينة . . . يعود إلى رحاب اللّه بعد هذه الغربة عنه والبعد عن ساحته وكرمه . . . ( وما برح اللّه - عزت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة يذكّرون بأيام اللّه ويخوفون مقامه ) وهذا من لطف اللّه بعباده أنه لا يقطع عنهم مدد الهداية والعناية فإنه ما زال سبحانه عظمت نعمته في كل مدة بعد مدة وفي كل فترة تنقطع بها