السيد عباس علي الموسوي

276

شرح نهج البلاغة

أعماله وسيئاتها وعصيانه لأوامر اللّه وتكاليفه . إن المسلم يستطيع بحسن عمله أن يوسع قبره كما في وصية النبي التي يقول فيها : « وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت ، فإن كان كريما أكرمك ، وإن كان لئيما أسلمك ، ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه ولا تسأل إلا عنه ، فلا تجعله إلا صالحا فإنه إن صلح أنست به وإن فسد لا تستوحش إلا منه وهو فعلك » . وقد نظم قيس هذا المعنى النبوي بأبيات من الشعر فقال : تخير خليطا من فعالك إنما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولا بد بعد الموت من أن تعده * ليوم ينادى المرء فيه فيقبل فإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن * بغير الذي يرضي به اللّه تشغل فلن يصحب الإنسان من بعد موته * ومن قبله إلا الذي كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله * يقيم قليلا بينهم ثم يرحل فاصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك : أصلح مقرك الذي سترحل إليه وهو قبرك بالعمل الصالح والتقوى والورع والخوف من اللّه وكل السبل التي ترضي اللّه تعالى ، ولا تبع تلك الدار الآخرة التي فيها الاستقرار والدوام بهذه الدار التي لا استقرار فيها ولا ارتياح ، هذه الدنيا لا تعادل الآخرة ولا تساويها ، فالغبي من غبي مع وجود المنبه والمرشد والناصح والدال على الخير . . . وإذا كان الشقي من باع آخرته بدنياه ، فهناك من هو أشقى منه وهو الذي باع آخرته بدنيا غيره ، إنه غبي في منتهى الغباوة وشقي في منتهى الشقاوة ، إنه يقاتل ويقتل في سبيل طاغوت من طواغيت الأرض كي يتربع على كرسي الحكم ، إنه يضحي ويبذل دنياه ويخسر آخرته من أجل أن تتحقق الأحلام الفرعونية التي تدفع هذا الرئيس أو ذاك لتسلم عرش السلطة . . . ما ذا جنى هذا الشقي إنه أقدم على بذل نفسه وسفك دمه فخسر الدنيا وخسر الآخرة في سبيل أمجاد زائفة يسعى إليها هذا الجبار أو ذاك . . . وهل هناك من هو أشد تعاسة وشقاء منه . . . لا . . لا . . ليس هناك أشقى منه وأتعس . . . إن اللّه سبحانه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، فهذا هو البيع الحقيقي ومن أجل اللّه يكون الجهاد الحقيقي . . . ومن أجل اللّه يكون بذل النفس والمال . . . من أجل اللّه فقط يكون بيع الدنيا بالآخرة ، وتلك تجارة لن تبور ولن تخسر ، بل نتيجتها الربح فقط والربح الوافر . . . ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لم تكلف : لأن من تكلم بما لا يعرف فضح