السيد عباس علي الموسوي

277

شرح نهج البلاغة

نفسه وأظهر معايبها ودلل على جهله ، وكفى بهذا صغارا واحتقارا . إن بعض الناس عنده حب الكلام ، وحب الحديث ، لا يكل ولا يمل وفي كل العلوم على اختلافها وتشعب فروعها تراه يخوض فيها حتى بين أربابها وأهل الاختصاص فيها وهذا ما نراه جليا في مجالس الفقهاء والعلماء ، فترى الغريب أو القريب يطرح مسألته مستفهما عنها وقبل أن يتكلم العالم بالإجابة ترى بعض الحجاج أو المتفقهين بثلاث أو أربع مسائل يبادر للإجابة كأنه هو المسؤول ، إنه يخرج من جرابه الخاص دون مراجعة أهل الخبرة والاطلاع ، يجيب خطأ وفسادا بدل أن ينتظر جواب العالم كي يفهم المسألة وحلها . . . إنه يدل على ضعف نفسه وصغرها وما أحسنه لو صبر حتى يعلم . . . وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال : وهذا شيء مدرك بالوجدان ، ظاهر للعيان ، لا يحتاج إلى دليل ولا إلى برهان ، فإن الإمام الصادق عليه السلام يقول : « العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب ( 1 ) بقيعة لا تزيده سرعة السير إلا بعدا . وقد أمرنا الأئمة ( ع ) أن نتوقف عن الكلام في ما لا نعلم ونكف عن الشبهات ونقف عند عدم تبين الطريق ووضوحه . قال أبو جعفر ( ع ) : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه . وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - : « حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم » . وفي حديث الرضا ( ع ) في اختلاف الأحاديث : . . . وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا . . . ( وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في اللّه حق جهاده ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم ، وخض الغمرات للحق حيث كان ) وأمر بالمعروف تكن من أهله وانكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم ما جاء به الأنبياء بل دعوتهم كلها توجهت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإنهم رأوا الفراعنة وأنصاف الآلهة تتربع على كراسي الضلال وتدعي ما ليس لها بحق فكان على الأنبياء أن يقفوا في وجوههم

--> ( 1 ) هذه الأحاديث من الوسائل ، باب 12 ، من أبواب صفات القاضي .