السيد عباس علي الموسوي

275

شرح نهج البلاغة

في قوم نوح أو الخسف والوباء كما في أقوام آخرين . . . وإن اللّه قد أمرنا وحثنا على النظر في أحوال الماضين كي نعتبر بما جرى عليهم وما حاق بهم ، قال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ( 1 ) وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 2 ) . إن في عرض أخبار الماضين تذكرة لمن ينسى وعبر لمن اعتبر . . . إن الإنسان إذا عاش مع الأولين الماضين في مسيرتهم فنظر في أفعالهم الصالحة فاقتدى بها ونظر في أعمالهم القبيحة فاجتنبها فقد استفاد في حياته الدنيا وفي آخرته ، إنه يجتنب مواضع العطب الذي دخل عليهم ويسد النوافذ والأبواب التي دخل منها الفساد والضلال ، يجتنب الكفر والانحلال والمفاسد الاجتماعية والأخلاقية ويسير على الخط الإلهي لا ينحرف عنه ولا يتعداه . . . إن الإنسان العاقل ينظر في أفعالهم ويتبصر كيف انتقلوا عن هذه الدار وحلوا دار القرار . . . إن هذه الأرض التي نسير عليها نحن الآن قد سار عليها قوم قبلنا . . . قد تنقلوا عليها فزرعوا وبنوا وامتلكوا ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها وتركوها لنا وسنرحل نحن أيضا ونتركها لغيرنا . والعظيم من اتعظ بغيره واعتبر بما جرى عليه وما صار إليه . . . إن أولئك السابقين من الأهل والأجداد كان لهم أحبة فانتقلوا عنهم وكان لهم أموال ففارقوها ، وكان لهم كثير كثير ولكنهم تخلوا قهرا عما يحبون ، تخلوا عن كل ذلك وحلوا في ديار الغربة . . . وأي غربة أعظم وأفظع من غربة القبر . . . ( وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم : فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف . والخطاب فيما لم تكلف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإن الكف عند حيرة الضلال ، خير من ركوب الأهوال ) وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم : رهين الثرى ودفين التراب وما أشرفها موعظة تجعل الإنسان يرجع إلى حقيقته ويقف عند قدره ، يتذكر تلك الحفرة الصغيرة التي يستطيع أن يوسعها بأعماله الصالحة ومناقبه الحميدة وإطاعته للهّ ولرسوله ولأولي الأمر الذين فرض اللّه طاعتهم ، كما يستطيع أن يضيقها أزيد مما هي عليه ، ويصغر حجمها أكثر مما هي صغيرة بقبائح

--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية - 44 . ( 2 ) سورة الروم ، آية - 59 .