السيد عباس علي الموسوي
270
شرح نهج البلاغة
ثم إن هذا الإنسان ، قرين الأحزان ، فمن يومه الأول الذي يرى فيه الحياة ، يصرخ ويبكي ، ويستمر في الحزن والبكاء في أعماق نفسه حتى ولو استطاع أن يبسم ثغره وتضحك شفتاه . . . لأنه نصب للآفات وصريع الشهوات وخليفة الأموات على حد قول الإمام ، ومن كان يمثل هذه الأوصاف حق له أن تدمع عيناه دما ، ويذوب قلبه ألما ، خشية من عذاب اللّه ونقمته وشوقا إلى رحمة اللّه وجنته . ( أما بعد فإنّ فيما بيّنت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر عليّ وإقبال الآخرة إليّ ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي ، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي ، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي ، وصرّح لي محض أمري فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني ، وكأن الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت ) إني أشعر من خلال هذه الكلمات عمق الجراح التي يشعر بها الإمام وعظيم المأساة التي تختلج بين جوانحه ، أشعر بالأسى والمرارة يملآن ذلك القلب الكبير الذي وسع الأحداث والآلام والمحن والمصائب . . . إنني أحس بوقع هذه الكلمات التي تخرج وفي كل واحدة منها مضاضة وألم وجرح غائر لا يدرك مداه إلا اللّه وعلي نفسه . . . إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي ، كلمات ينطوي فيها تاريخ النضال والكفاح ويظهر من خلالها كبر المعاناة وشدة هول الأحداث . . . بحيث قد انزوت الدنيا وأعطت ظهرها لذلك المجاهد الذي عن يديه صدر طعمها ومعناها ، الدنيا بزخارفها قد تنكّبت عن علي وتنكرت له . والدهر العنيد قد استعصى عليه وتغلّب على تطلعاته وآماله . . . ومن نكد الدهر أن يرتفع نجم الصعاليك كمعاوية وتخبو نجوم العظماء كعلي بحيث يسوي بينهما الدهر ويقرن بين علي ومعاوية . . . من هوان الدنيا على اللّه وحقارتها أن يقرن معاوية بعليّ ويقارن بينهما فيقال : علي ومعاوية . . . وهل هناك أشد مرارة وأقسى وقعا من أن تقارن الثريّا بالثرى والتبر بالتبن والرفيع بالوضيع ، وعلي بمعاوية . أيّ دهر هذا لا يشكوه علي يوم نحي عن الخلافة وتمت مؤامرة السقيفة أم يوم تمت بيعة التجار لعثمان ورفضت عليا خليفة أم يوم جاءت الخلافة فنكثت طائفة ومرقت أخرى وبغت ثالثة للهّ أنت يا علي . . . صبرت على شيء أمر من الصبر . . . صبرت على دهر أضحى يقال فيه علي ومعاوية . . . وهل هناك شيء أمرّ من هذا . . . وعلى كل حال لئن أدبرت الدنيا وجمح الدهر عليك . . . فإن الآخرة بانتظارك ،