السيد عباس علي الموسوي

271

شرح نهج البلاغة

ولئن جهل مقامك وبقي الناس لا يعرفونك حق معرفتك في الدنيا فإنهم في الآخرة وهي مقبلة سيعرفونك عن كثب ، هناك تنكشف أقنعة الهوى ويعرف عليّ على حقيقته . . . والإمام هنا يريد أن يعلمنا كيف أن الإنسان إذا تقدم به العمر يجب أن يلتفت إلى نفسه ويهتم لها فلا تذهب به مذاهب الهوى والكذب بل يجب أن يعد العدة ويستعد ويأخذ حذره في سبيل الوصول إلى الآخرة وهو نظيف طاهر . . . إن الإمام يريد أن يعلمنا وجوب الاهتمام بأنفسنا والحذر عليها من الهوى والسعي في سبيل إعدادها إعدادا كاملا لملاقاة اللّه وحسابه . . . وهذا الاستعداد والإعداد لهذه النفس يتطلب أن ينظر من خلاله إلى أولاده . . . فإنهم جزء متمم لسعادته ومكمّل لسروره ونجاته . . . هؤلاء الأولاد هم جزء من الآباء بل بتعبير الإمام : الولد هو كل الوالد ، إنه صورة مصغرة عن الأب يحمل هوية الأب وشخصيته ، عقيدته ورسالته ، هدفه وسلوكه ، هو نسخة عن الأب فيجب الاهتمام به والاعتناء بتربيته وجعله عنصرا صالحا يحب الخير ويسعى في سبيله . ما أجمل وأروع تعبير الإمام ، ما أشرف هذا التعبير الذي كررّته مرات ومرات ورددته بيني وبين نفسي وبين وبين الناس وعشت معه في أحلام وردية ندية كنت أحس بوقعها في نفسي راحة وسرورا وأشعر أنها ترنيمة سماوية تشق هذا القلب الصغير لتدخل أعماقه تاركة أثرا طيبا من آثار الإمام وعبقة عطرة الشذى : ( ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ) . هذا هو منطق الأبوة المسئولة التي تحمل عواطف البشر وقلوبها وتتفاعل مع هذا الصغير بعطف وحنان ورقة ودعة ، تتفاعل مع هذا الصغير لتحسّ بضغط المرض في بدنها ونفسها ، إن ألمّ بهذا المخلوق الصغير ألم أو مرض وتعيش فرحه وسروره في نفسها عندما تحس منه الفرح والسرور . . . الولد قرة العين وفلذة الكبد وأمل المستقبل ولا يدرك قيمة الكلام العلويّ ومفعوله إلا من أصبح أبا وتحركت عواطف الأبوّة فيه نحو الأبناء . قبل أن يرزق الإنسان ولدا يتصور أن القضية سهلة ، مات الولد أو عاش ، تألم أو فرح ، جاع أو شبع ، احتاج أو اغتنى ، يتصور أن كل هذه أمور سهلة يجب أن تطوى ولا تأخذ من اهتمام المرء شيئا . ولكن هذا التصور يتساقط كله عندما تأتي القضية إلى العالم الخارجي وتبصر النور على مسرح الوجود عندئذ ترى الآباء يختلفون في حساباتهم وعواطفهم وميولهم وحركاتهم وكل سلوكياتهم ، عندها فقط يخرج الأب ليبحث عن لقمة العيش ورفع الألم وإدخال