السيد عباس علي الموسوي

269

شرح نهج البلاغة

الإنسان إلى هذا المصير ويعدّ له عدته التي يرتفع بها عن الذل والهوان فيلتحق بركب الصالحين من الأنبياء . . . هذا الإنسان هدف للنوائب ، فترى النكبات تنصبّ عليه من كل جانب ، إنك تراه فاقدا لعزيز من أخ أو أب أو ابن ، أو مفجوعا بقريب أو صاحب أو خليل ، إنه مرهون بعوامل الأيام وما يجري فيها ويمر عليها ، فإذا أدبرت أزعجت وإذا فاتت أماتت . إن هذا الإنسان عبد للدنيا يؤثرها على الآخرة ويتعامل معها وكأنها هي الخالدة والباقية ، يقر لمن فيها من الطواغيت والجبابرة بحق الوجود كما يقر للظلم والجور أن يستشري ويستفحل ويستمر أمره . . . العجب كل العجب لهذا الإنسان الذي يسمى حرا وهو من أشد الناس عبودية لغير اللّه ، إنه يميل مع هواه ويخضع لمن أحب ويذل نفسه لمن هو أقوى منه ، هذا الإنسان يجب أن يتحرر من كل العبوديات الأرضية وينبذ كل الآلهة المصطنعة ويكون عندما يقول لا إله إلا اللّه . مدركا لمدلولها ومفهومها ، يعيش بعمقها وسعتها ، يجب أن يقول لا إله في الكون . . . ليس الشهوة إله ، ولا الغريزة إله ، ولا الجاه إله ، ولا العشيرة إله ، ولا المال إله ، ولا شيء من متاع الدنيا بإله . . . إنما اللّه هو الإله ، اللّه وحده لا شريك له هو الذي يستحق العبادة وهو وحده الذي يستحق التوحيد . . . وهو وحده مالك الأمر والنهي ، ومتى تعبّد الإنسان للهّ تحرر من كل هذه العبوديات . . . وانطلق في رحاب اللّه يحقق إرادته وينفد أمره ونهيه ويعمل وفق تشريعه وحكمه ، وما أروع أن يكون الإنسان عبدا للهّ يعيش معه ويدرك لذة هذه العبودية التي ترادف تحرر هذا الإنسان من كل العبوديات الأخرى . . . ويصف الإمام هذا الإنسان بتاجر الغرور لأنه يظن الربح في هذه الحركات والأعمال التي تصدر منه ، فهو يعمل من أجل أن يترفهّ ويتنعّم ، يعمل وكأنه يخلد في الدنيا ناسيا أنه غريم المنايا ومطلوبها ، والغريم لا بد وأن يدّرك خصوصا إذا كان من يطلبه له موعد وقدرة في الوصول إليه . . . إن هذا الإنسان مطلوب وطالبه قادر على الوصول إليه فكيف ينسى ولا يعدّ لذلك اليوم عدته . . . وكيف لا يستعدّ وهو أسير الموت الذي لا يستطيع الخلاص أو الهروب منه . . . ثم إن الإمام يصف هذا الإنسان بأنه حليف الهموم ، وما أروعه من وصف ينطبق على كل إنسان منا لنرجع إلى أنفسنا لننظر هل استطعنا أن نتخلى عن هذه الهموم وهل استطعنا أن نطردها من بيننا إن كل إنسان يهمهّ قوته وتهمه معيشته ، يهمه منصبه وجاهه ، يهمه ماله وأولاده ، أكبر همه دنياه إن كان من أبناء الدنيا ، وهم أشد الناس هموما ، أو آخرته ويجب أن تأخذ من المؤمن هما أوسع من جميع الهموم . . .