السيد عباس علي الموسوي
268
شرح نهج البلاغة
كان يسكنها الأجداد والآباء ومن قبلهم أجدادهم وآباؤهم وكل تلك الوجوه قد ارتحلت ولم يبق منهم إلا الآثار والأخبار ، تروى عنهم المآثر والمكارم كما تروى النقائص والمثالب . . . إن هذه الدار قد سكنها قبلي قوم ماتوا وارتحلوا فكيف يكون حالي وأنا أتنقل بين تلك الأطلال والآثار وهل يروق للساكن مساكنهم وهو يرى آياتهم وآثارهم أن ينشرح أو يفرح إنه يتصوّر حاله عن قريب وقد ارتحل . فلم يبق عليه إلا أن يحسّن سلوكه ويستعد . . . والظاعن عنها غدا : غدا في حساب العمر الذي انقضى شطره الكبير ، وفي حساب المعتبر الخبير الذي سلك مسالك الموتى وسكن مساكنهم ولم يختلف عنهم بأمر واحد بل هو مثلهم يعترضه الهرم ويقطع أمنيته الموت كما اعترضهم الهرم وقطع أمنيتهم الموت ، هي السنون ما أسرعها في العمر بالأمس كنا أطفالا نسبح في أحلامنا وآمالنا ، واليوم انكفأنا على أنفسنا وأخذتنا العبرة بأننا على أهبة الاستعداد لسفر طويل ، إنه الغد ينتظر مناديا بالرحيل ، فلا بد من الاستعداد له . ( إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك ، السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ورهينة الأيام ، ورميّة المصائب ، وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، وصريع الشهوات ، وخليفة الأموات ) إنها أربع عشرة صفة متلاحقة تنصبّ كلها على هذا الصغير وترافقه في مسيرة حياته ، إنك تقرأها في صور متعددة من هذا الإنسان ، إنه يأمل أن يعيش عمرا مديدا ويأمل أن يثري ويغني ويأمل أن يعمّر ويبني ويأمل أن يرتفع نجمه ويعلو صيته ، ويأمل ويحلم ويتمنى أن تتحقق هذه الأحلام والآمال ولكن دون تحقيقها عقبات ومعوقات ودون الوصول إليها خنادق وبحار وصحارى وقفار ، لا يكاد يقطع مفازة إلا ويتيه في أخرى أوسع منها ، ولا يكاد يسبح في بحر حتى يغوص في محيط لا يدرك نهايته إلا اللّه ، لا تكاد تتحقق لديه أمنية إلا وتراءت أمام عينيه أمنيات عديدة لا يزال عاجزا عن تحقيقها ، إنه يأمل ما لا يدرك من طول العمر وكثرة المال وعلوّ الجاه والسلطان . إن هذا الإنسان هو نفسه الذي يتحرك اليوم ، سواء كنت أنت أم أنا أم غيرنا من الأحياء ، إننا جميعا نسعى كما سعى الأولون من آبائنا وأجدادنا . . . على الطريق نفسها وفي الاتجاه ذاته . إن كل يوم نقطعه هو يوم يقرّبنا نحو الآخرة ويبعدنا عن الدنيا ، كل يوم يمضي يهدم عمرنا وينقصه ويدنينا من عالم آخر من عوالم الآخرة . . . إننا على السبيل عينه الذي مضى عليه الأولون من أهلنا ولا بد من أن نصل إليه ، فما أحسن أن يلتفت