السيد عباس علي الموسوي
267
شرح نهج البلاغة
من المضمون والعمق من الرعاية للأبناء والمحافظة عليهم والحيطة لهم ، من الوالد الذي يذوب من أجل أبنائه ويستعذب مرّ الحياة وعلقمها من أجلهم ، من الأبوّة التي ينساب منها رحيق العطاء ولا تعرف الكلل ولا الملل ، من الأبوّة لا من غيرها كي تتقرر في ذهن الولد أهمية الوصية وعظمتها ، كي يدرس الولد مضمونها ويقف عند كل كلمة فيكرر قراءتها ، ويتمعّن بمدلولها ويعمل بنصها لأنها خرجت من قلب رحيم به يتمنى له الفوز والنجاة . . . من الوالد الفان : الوالد الذي كتب عليه الفناء لأنه مصداق يدخل في قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وجَهُْ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، تقريرا للنفس واعترافا بهذا المصير . . . الفناء الذي لا بد أن يمر على هذا الإنسان بعد أن يقطع شوط الحياة بحلوه ومره ، بطاعته للهّ أو بعصيانه له . المقر للزمان : هذا الزمان الذي عاند الحق وأهله ، الذي نحّى عليا من خلافة المسلمين ربع قرن من الزمن وحوّل مدة خلافته إلى حروب طاحنة دارت بين الحق والباطل ، هذا هو الزمن الذي استطاع أن يقتص من علي جزاء استقامته وعدله بضربة سيف من يد شقي أصابت غرته الشريفة ، هذا الزمن في حالة حرب مع علي ، وعلي يعترف لهذا الزمان ، يعترف له في أيامه القليلة ، وسيكون اعترافا عليه عندما يقف ليشهد بالحق والاستقامة والمبدئية الرسالية الفذة . . . المدبر العمر : حيث إن الإنسان من أول يوم يوضع فيه على الأرض يبدأ في هدم عمره ، وكلما تقدم به العمر تقدم نحو الآخرة وأدبر عمره الذي كتب له أن يعيشه ، ومن كان عمره ينقص ويدبر يجب أن يكون على أهبة الاستعداد لنتائج هذا العمر وما يقدمه فيه . . . المستسلم للدهر : فإن من فاتته الحيلة في التغلب على خصمه وكان هذا الخصم قاهرا لسائر الناس آتيا على كل أحلامهم وآمالهم يحق له الاستسلام وليس الإقرار فقط . . . بل الاستسلام له كي يفعل ما يريد . الذامّ للدنيا : وهل هناك إنسان وقف على الدنيا كما وقف عليها علي ، وهل هناك إنسان ذمها كما ذمّها علي إنه الكبير الذي خاطبها بما تستحق وتعامل معها كما يحق لها أن تعامل ووصفها بحقيقتها التي تكشفت له عن خبرة وممارسة . . . الساكن مساكن الموتى : فإنه على هذه الأرض قد مرت أجيال وأجيال سجلها التاريخ وذكر تاريخها وأيامها وسلمها وحربها وما جرى عليها وما حدث فيها ، هذه الدار