السيد عباس علي الموسوي
251
شرح نهج البلاغة
- صلّى اللّه عليه وآله - فارض به رائدا ، وإلى النّجاة قائدا ، فإنّي لم آلك نصيحة . وإنّك لن تبلغ في النّظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظري لك . واعلم يا بنيّ أنهّ لو كان لرّبّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنهّ إله واحد كما وصف نفسه . لا يضادهّ في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ولم يزل . أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيتّه بإحاطة قلب أو بصر . فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ، وقلّة مقدرته ، وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربهّ . في طلب طاعته ، والخشية من عقوبته ، والشّفقة من سخطه فإنهّ لم يأمرك إلّا بحسن ، ولم ينهك إلّا عن قبيح . يا بنيّ إنّي قد أنبأتك عن الدّنيا وحالها ، وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال ، لتعتبر بها ، وتحذو عليها . إنّما مثل من خبر الدّنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب ، فأمّوا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطّريق ، وفراق الصّديق ، وخشونة السّفر ، وجشوبة المطعم ، ليأتوا سعة دارهم ، ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة فيه مغرما . ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلّتهم . ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب ، فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه ، إلى ما يهجمون عليه ، ويّصيرون إليه .