السيد عباس علي الموسوي

252

شرح نهج البلاغة

يا بنيّ اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك . واعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصّواب ، وآفة الألباب . فاسع في كدحك ، ولا تكن خازنا لغيرك ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك . واعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقّة شديدة ، وأنهّ لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد ، وقدر بلاغك من الزّاد ، مع خفّة الظّهر ، فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة ، فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحملّه إياّه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلّك تطلبه فلا تجده . واغتنم من استقرضك في حال غناك ، ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك . واعلم أنّ أمامك عقبة كؤودا ، المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل ، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع ، وأنّ مهبطك بها لا محالة إمّا على جنّة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، ووطىّ ء المنزل قبل خلوا لك ، « فليس بعد الموت مستعتب » ولا إلى الدّنيا منصرف . واعلم أنّ الّذي بيده خزائن السّموات والأرض قد أذن لك في