السيد عباس علي الموسوي

214

شرح نهج البلاغة

الشرح ( أمره بتقوى اللّه في سرائر أمره وخفيات عمله حيث لا شهيد غيره ولا وكيل دونه وأمره ألّا يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسر ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدى الأمانة وأخلص العبادة ) يقول بعض شرّاح النهج إن هذه الوصية كتبها الإمام إلى مخنف بن سليم الأزدي لما بعثه على الصدقة والمهم عندنا عموم الخطاب وليس خصوص السبب . وصية بتقوى اللّه هذه التقوى التي جمعت فيها خيرات الدنيا والآخرة . وليست التقوى في خصوص ما يظهر للناس بل هي تتجسد أكثر في السر عندما لا يكون من رقيب أو حسيب . . . عندما يختفي الإنسان عن العيون ويشعر أن عين اللّه تراه وترعاه وتحصي عليه أنفاسه وحركاته فلا يتعدى المرسوم له ولا يدخل في الحرام . . . تتجسد التقوى وتظهر عندما تشتد رقابة الإنسان على نفسه فيترك كل معصية ويقوم بكل طاعة والإمام هنا يأمر هذا الرجل بتقوى اللّه في سر ما ينوي وفي كل عمل يخفى على الناس عندما لا يكون إلا اللّه هو الناظر والمراقب . . . ونهاه عن مخالفة ظاهره لباطنه وهو المعبّر عنه بالنفاق ففي الظاهر يبدو عليه الالتزام والطاعة بينما في السر يعيش التهتك والمعصية . ثم رغبّه في وحدة السر والعلانية والفعل والقول لما لهذه الوحدة من أثر من حيث إنه يكون قد أدى الأمانة المفروضة عليه لأنه جابي الصدقة فيجب أن يكون أمينا وكذلك يخرج من عملية الرياء التي تبطل العمل وتفسده . . . ( وأمره ألا يجبههم ولا يعضههم ولا يرغب عنهم تفضلا بالإمارة عليهم فإنهم الإخوان في الدين والأعوان على استخراج الحقوق ) وهذا أمر له أن لا يواجههم بما يكرهون أو يرميهم بأمر ليس فيهم فيبهتهم بأن يقول لهم : إن الزكاة أكثر مما تدفعون أو أن اللّه لا يتقبلها منكم وهكذا ولا يتجافى عنهم أو يعرض عن مجالستهم لظنه أنه أحسن منهم وأفضل لمنزل الإمارة ومكانه منها حيث إنه المتولي لجمع الصدقة وقد علّل له عدم التطاول عليهم والتجافي عنهم بأمرين . الأول : إنهم الإخوان في الدين فالعقيدة وحّدت الاتجاه ولمّت الشمل وجعلت للمسلم على المسلم حق الاحترام والتقدير والعشرة الحسنة وغير ذلك من الحقوق . . .