السيد عباس علي الموسوي

136

شرح نهج البلاغة

ولما تولى الإمام الأمر ورأى الأشعث يتصرف في الأموال كيفما يشاء وحسبما يريد كتب إليه هذا الكتاب يقول له فيه : إن عملك وما تجنيه منه من خراج وجباية وأموال أهل الذمة وغيرها ليس ملكا شخصيا لك تجمعه وتتصرف فيه كما تشاء . . . وإنما هو أمانة - لأنه من الأموال العامة - التي هي ملك المسلمين وترجع إليهم وأنت حافظ له ومؤتمن عليه يجب أن تراعي المصلحة فيه قد وضعك من فوقك راعيا عنه وأنت مسؤول أمامه عن كل تصرف تقوم به فيه . . . فأنت مسؤول أمام الخليفة الذي جعلك مسؤولا عن هذه الأموال وهو فوقك يسألك عنه ويحاسبك عن كل تصرف فيه . . . ( ليس لك أن تفتات في رعية ولا تخاطر إلا بوثيقة ) وهذه لفتة كريمة وتوجيه عظيم . . . إنها التعاليم التي يجب لكل من تولى أمرا أن يحفظها ويرعاها وينفذ مدلولها . . . وهي أن العامل ليس له أن يستبد في الأمور المالية للرعية ويتصرف في أموالها مستقلا دون أن يراجع ولي الأمر والخليفة لأن الدولة لها سياستها المالية ومشاريعها وخططها فيجب أن يكون ولي الأمر على كامل الاطلاع في سياسة المال حتى يضع الثروة في محلها اللازم . . . وكذلك نبهه إلى أن من الواجب عليه أن لا يخاطر في هذا المال ويعرضه للهلكة والتلف بل يجب عليه أن يأخذ به وثيقة تحفظه لئلا يضيع فإذا أقرض أحدا يجب أن يكتب عليه كتابا يحفظ بموجبه هذا المال . . . ( وفي يديك مال من مال اللّه عز وجل وأنت من خزانه حتى تسلمّه إليّ ولعلي ألّا أكون شر ولا تك لك والسلام ) ثم قرّر أن بين يدي الأشعث مال من أموال اللّه وهو لعباد اللّه وأنت من خزانه وحفظته ومسؤول عنه حتى تسلمه إليّ فكل نقص يطرأ عليه تحاسب به وتسأل عنه حتى تسلمه إليّ كما استلمته من أربابه ثم أشار إلى أنه عليه السلام - وفيه شيء من الإيناس وتطيب الخاطر بعد البيان السابق - لن يكون أقسى الخلفاء عليه وأشدهم إذا لزم الحق واتبعه . وهكذا يقرر الإمام أن يحاسب عماله ولا يتركهم في فوضى كل واحد منهم يستقل في عمله ويطمئن إلى ما يقوم به دون محاسب أو رقيب .