السيد عباس علي الموسوي
89
شرح نهج البلاغة
غايته ) وهذا تنزيه للهّ باعتبار آخر وهو أنه سبحانه أتقن صنع كل شيء وأحكمه من قوائم النملة الصغيرة الحقيرة التي قد تدوسها برجلك دون أن تحس بها وكذلك الذبابة الصغيرة التي تحط ولا يشعر بسقوطها أحد ، من هذه الأشياء الصغيرة إلى حيوانات البر والبحر . . . إلى الحوت الكبير في عمق البحر أو الفيل الضخم الجثة في مجاهل الغابات فإنه أتقن صنعها جميعا . وقطع على نفسه وعدا وألزمها عهدا أنه ليس هناك شيء دخلته الروح وتحرك في الحياة إلا وكتب عليه الموت وقضى عليه بالفناء وعدم البقاء قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ . . . وقال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . . . . ( فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها ولذاتها وزخارف مناظرها ) هذا ختام الخطبة وهو يتعلق بالجنة وصفتها وهي أمنية كل عامل مجاهد ترغيبا بها وتشويقا لها عسى أن تحرك راغبا فيها أو طالبا لها . . . فلو فكرت وتأمّلت فيما يوصف لك من الجنة وما فيها لكرهت نفسك وزهدت فيما في الدنيا من بدائع الشهوات واللذات وزينة المناظر والزخارف . . . فإن وصف ما في الجنة يوجب الإعراض عن الدنيا وما فيها من شهوات ولذات لأن في الجنة نعيم يفوق الأحكام ويكبر على الأمنيات . ( ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار غيبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها وفي تعليق كبائس اللؤلؤ الرطب في عساليجها وأفنانها وطلوع تلك الثمار مختلفة في غلف أكمامها تجني من غير تكلف فتأتي على منية مجتنيها ويطاف على نزالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة والخمور المروقة ) هذه بعض ما في الجنة فإنها تذهب بالفكر وتحيرّه إذ الريح تضرب هذه الأشجار التي غابت عروقها في تلال المسك بدل تلال الرمل على شواطئ أنهار الجنة تتغذى منها وكذلك يأخذك تعليق عناقيدها التي هي كاللؤلؤ الرطب في أغصانها وكذلك خروج تلك الثمار التي تكون أول تكوينها وتخرج مختلفة لتنوع أصنافها من أكمامها . . . إنها ثمرات تأتي طبقا لأمنية الإنسان فبمجرد أن يتمنى ثمرة تقترب منه وتسقط عليه بدون مشقة الإتيان إليها ومشقة الالتقاط لها . إنها صورة جميلة رائعة الجمال تبهر العيون والعقول حيث يطاف على من ينزل ساحاتها وأفنية قصورها بالعسل المصفى والخمور المصفاة التي لا تسلب العقل أو تفقده