السيد عباس علي الموسوي
88
شرح نهج البلاغة
انحتات أوراق الأغصان ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف سالف ألوانه ولا يقع لون في غير مكانه وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية وتارة خضرة زبرجدية وأحيانا صفرة عسجدية ) وهذه حالة أخرى من حالات الطاوس التي تستوجب التوقف أمام عظمة الصانع وحكمته . . . إنه يتعرى من ريشه بسقوطه عنه فهي ثيابه التي ينزعها بقدرة اللّه فيسقط ذلك الريش ولكن ليس دفعة واحدة بل بالتدريج كما يسقط ورق الشجر في أيام الخريف فترى سقوطها كلما اصفر منها قسم ثم ينبت كله متتابعا ، يتلاحق بالنمو حتى يعود كما كان قبل السقوط ومن حكمته جلت قدرته أن الجديد من الريش لا يخالف القديم في ألوانه بل كل ريشة قديمة بلونها ينبت مكانها ريشة جديدة بنفس اللون لا تخالفها ولا تختلف عنها . . . ثم أشار إلى أنك لو أخذت ريشة من ريش قصبه ونظرت إليها لدلتك على عظمة الخالق الإلهي فإنك تنظر إليها فتجدها ذات ألوان متعددة وهي واحدة لم تتعدد إنها تريك تارة حمرة كحمرة الورد وأخرى خضرة كخضرة الزبرجد وأحيانا صفرة كصفرة الذهب . ( فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن أو تبلغه قرائح العقول أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين وأقل أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه والألسنة أن تصفه ) إقرار بالعجز وأنه لا تصل إلى صفة هذا المخلوق الصغير الفطن التي من شأنها أن تدرك دقايق الأشياء أو العقول الصحيحة السليمة التي من شأنها الوصول إلى عمق هذه الأمور كما أن النطق يعجز عن استيعاب وصف هذا المخلوق البسيط بل أقل أجزائه وهي الريشة تعجز المخيلات عن أن تدرك حقيقتها وتعجز الألسنة عن استيعاب وصفها ، وإذا كلت الألسنة وعجز الواصفون عن الإحاطة بوصف أقل أجزاء هذا الطائر فهو أعجز عن وصفه كله واستيعاب حقيقته لأن من يعجز عن وصف الجزء يكون أعجز عن وصف الكل . . . ( فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون فأدركته محدودا مكونا ومؤلفا ملونا وأعجز الألسن عن تلخيص صفته وقعد بها عن تأدية نعته ) تنزيه للهّ الذي أعجز العقول عن أن تصف مخلوقا أظهره للعيون بحيث رأته محدودا في طول وعرض ومساحة ومؤلفا من لحم ودم وعظم وملونا بهذا التلوين المتعدد المختلف فهذا المخلوق المنظور عجزت ألسن عن إدراك صفته والإلمام بها ولم يسمح لها أن تؤدي وصفه وتستوعبها فكيف تستوعب صفات اللّه وتحيط بها . . . ( وسبحان من أدمج قوائم الذرة والهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان والفيلة ووأي على نفسه ألا يضطرب شبح مما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده والفناء