السيد عباس علي الموسوي

85

شرح نهج البلاغة

( ومن أعجبها خلقا الطاوس الذي أقامه في أحكم تعديل ونضّد ألوانه في أحسن تنضيد بجناح أشرج قصبه وذنب أطال مسحبه إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه وسما به مطلا على رأسه كأنه قلع داري عنجه نوتيه يختال بألوانه ويميس بزيفانه ) دخل عليه السلام في وصف الطاوس وقد رسمه بأروع ريشة بيانية تحكي حقيقته ، إنها صورة زيتية لأبدع ما يمكن أن ينقله البيان ويحكيه ، فسبحان من أعطى هذا الرجل الريادة والرياسة في كل فن طرقه وفي كل مجال سلكه . . . ومن أعجب هذه الطيور خلقة وتكوينا الطاوس الذي خلقه في أحسن ما تكون خلقته من حيث الكمال وعدم النقص فيه ونظّم ألوانه ورتبها أحسن ترتيب فجناحه أشرج قصبه أي ركب عروق جناحه وأصولها بعضها في بعض وجعلها متداخلة بحيث يستطيع أن يتصرف فيها كيف يشاء . ثم وصف ذنبه وأنه طويل يسحبه ورائه وإذا أراد أنثاه للفساد والجماع تزيّن لها بأحسن ما عنده ولم يدخر عنها الظهور بأحسن مظاهره وأن أحسن ما عنده هو هذا الذنب الطويل فإنه ينشره بعد أن يكون مطويا ثم يرفعه حتى يعتلي رأسه ويطلّ عليه . وشبه هذا الذنب بشراع السفينة الذي يكون بيد الملّاح يديره كيف شاء ، ويوجهه كيف شاء ، وبأي اتجاه شاء ، وهذا هو المراد بقوله : « كأنه قلع داري عنجه نوتيه » فهو يحركه في كل اتجاه وعندما يرى ذلك يتعجب بنفسه ويتبختر في مشيه ومن رأى الطاوس في مثل هذه الحالة أدرك حقيقة هذا التشبيه وصحته فإن هذه الكلمات تحكي تلك الصورة بدقة وصدق ، فإنه ينشر ذنبه ويرفعه إلى أن يشرف على رأسه ثم يأخذه التيه والعجب فيتنقل بهدوء وتكبر كأعظم ملوك الدنيا . . . ( يفضي كإفضاء الديكة ويؤر بملاقحه أر الفحول المغتلمة للضراب أحيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيل على ضعيف إسناده ) إذا أراد أن يسفد الطاوسة فإنه يسفدها كما يسفد الديك الدجاجة وينال منها بمذاكيره ما تنال الفحول صاحبة الشبق والشهوة بحيث يأتي أنثاه بشوق ورغبة وشهوة شديدة ثم أراد أن يثبت ما يقوله ويؤكد على صحته بأن ما يخبر به إنما هو عن دراية وليس عن رواية . . . عن رؤية عينية لا يتطرق إليها الشك وليس رواية معنعنة ضعيفة الإسناد من حيث أن المخبرين قد يكونون ضعفاء أو كذبة فلا يصدق الخبر . . . ( ولو كان كزعم من يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه فتقف في ضفتي جفونه وأن أنثاه تطعم ذلك ثم تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب ) وهذا رد على من زعم أن الملاقحة في الطاوس إنما هي