السيد عباس علي الموسوي

84

شرح نهج البلاغة

( وما ذرأ من مختلف صور الأطيار التي أسكنها أخاديد الأرض وخروق فجاجها ورواسي أعلامها من ذات أجنحة مختلفة وهيئات متباينة مصرّفة في زمام التسخير ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجو المنفسح والفضاء المنفرج ) وهذا من شواهد البينات على وحدانيته أنه سبحانه خلق الطيور بصور مختلفة متباينة فهذا أبيض كالحمام وهذا أسود كالغراب وهذا كبير كالنعامة وهذا صغير كالعصفور وهكذا دواليك وقد أسكن بعضها شقوق الأرض كالقطا وفي الوديان وبعضها في رؤوس الجبال العالية كالنسور والعقبان ثم إنه سبحانه جعلها ذات أجنحة مختلفة بعضها بلون واحد وبعضها بعدة ألوان وبعضها كبير والآخر صغير وجعل لكل طبعه بحيث جعل منها الأليف وجعل منها الوحشي النافر . . . ثم إنه عليه السلام جعلها تحت سلطة اللّه وردها إلى سلطانه وحكمه فهو الذي سخرها تكوينا لوجهتها التي أرادها لها وجعلها من صنف الطيور التي تملك جوانح تستطيع بها أن تخرق الهواء دون أن تتأذى به وسبحان اللّه الذي جعل هذا الطير على صغره يخترق الهواء وبسرعة كبيرة دون أن يصاب ولو فعل الإنسان مثل فعله لمات فهذا دليل العظمة الإلهية والحكمة الربانية وأنه سبحانه الذي جعل لكل كائن دوره ووظيفته في الحياة وجعل تكوينه يتلائم مع بيئته ومحيطه . . . ( كوّنها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة وركبها في حقاق مفاصل محتجبة ومنع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو في الهواء خفوفا وجعله يدف دفيفا ) لقد ابتدعها ابتداء ولم تكن بل بقوله : « كن فكانت » في صور عجيبة غريبة ظاهرة للعيان وركّبها بشكل مرن قابل للثني والطي في مفاصل تلوى وتطوى وحجبها باللحم . . . ثم إنه سبحانه منع بعضها لثقل جثته أن يطير في الهواء كما في النعامة بل جعلها تضرب جوانبها بجوانحها وتتحرك بسرعة دون أن تطير . . . ( ونسقها على اختلافها في الأصابيغ بلطيف قدرته ودقيق صنعته فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه ، ومنها مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به ) وهذا دليل على حكمته فإنه نسّقها ورتبها بحسب الألوان واختلافها بدقة القدرة الإلهية ودقيق الخلق فإنك عندما تقف عند بعض الطيور يشدك ذلك إلى الاعتراف بحكمة اللّه وقدرته فمنها صاحب اللون الواحد الذي ينفرد به ولا يختلط معه لون آخر كالغراب فكأنه صبّ في قالب ، وأخرج منه في صورة واحدة ولون واحد ، ومنها ما كان مطوقا بلون يغاير اللون الآخر الذي يلونه وانظر إلى الحجل فإنه أقرب ما يكون إلى هذا الوصف أو إلى الحمامة البيضاء المطوقة فإنك لا تملك إلا أن تعترف بعظمة الخالق وحكمته . . .