السيد عباس علي الموسوي

67

شرح نهج البلاغة

ثم أشار إلى عموم علمه وأنه لا يحجبه شيء فهو يعلم من مات من الماضين كما يعلم الأحياء من الباقين ويعلم بما في السماوات العلى من ملائكة وأرواح كما يعلم بما في الأرضين السفلى من جن وأشياء فهو العالم بكل شيء لا يعذب عن علمه شيء في السماوات والأرض وهذا عكس البشر الذين يعلمون شيئا وتغيب عنهم أشياء . . . ( أيها المخلوق السّوي والمنشأ المرعي في ظلمات الأرحام ومضاعفات الأستار بدئت من سلالة من طين ووضعت في قرار مكين إلى قدر معلوم وأجل مقسوم تمور في بطن أمك جنينا لا تحير دعاء ولا تسمع نداء ) هذا خطاب للإنسان بما فيه من عظيم الصنع ليصل منه إلى عظمة الصانع جل اسمه فهذا الإنسان سوي الخلقة أي تام غير ناقص فهو مستقيم القوام جميل الصورة تام معنويا وماديا . وكان إنشاؤه وتكوينه برعاية إلهية دقيقة حفظته وصانته في ظلمات الأرحام كما قال تعالى : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ( 1 ) وفسرت الظلمات الثلاث بظلمة البطن والرحم والمشيمة وهي مضاعفات الأستار فجعل حاجبا بعد حاجب وستارا بعد ستار وجعلت النطفة في ضمن ذلك كله . ثم أشار إلى بدء تكوين الإنسان - وهو آدم - عليه السلام - وأن اللّه خلقه من طين كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جعَلَنْاهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أنَشْأَنْاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 2 ) . فبعد أن أستله اللّه من تراب الأرض فكان آدم ثم بعد ذلك ابتدأ النوع البشري بطريق التناسل فكانت النطفة من الرجل في رحم الأم - وهو القرار المكين - الثابت إلى وقت معلوم وهو وقت الولادة ثم تعيش إلى أجل مقسوم لك محدد بأوقات معينة يعلمها اللّه فقد يطول عمرك وقد يقصر وبيّن عليه السلام سر العظمة الإلهية في هذا التكوين فهو في بطن أمه يتحرك ويتموج ومع ذلك لا يسمع نداء ولا يرد جوابا ولا يقدر على حوار من يحاوره . . . ( ثم أخرجت من مقرك إلى دار لم تشهدها ولم تعرف سبل منافعها فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك هيهات إن من

--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية - 6 . ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية - 12 .