السيد عباس علي الموسوي

66

شرح نهج البلاغة

كما أن الشمس تعاقب القمر فتطلع عند أفوله ويطلع عند أفولها وتكون من دورتهما وتعاقبهما الأزمنة والدهور فتمضي سنون وتأتي أخرى ، يقبل ليل ويدبر نهار ويحسب الحاسبون أيامّا وسنوات . ( قبل كل غاية ومدة وكل إحصاء وعدة تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن وتمكّن الأماكن فالحد لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب ) الحادي عشر : وهذا تنزيه للهّ عما لا يليق به فهو قبل كل غاية ومدة والغاية حادثة والمدة محدودة ابتداء وزمان ومكانا واللّه هو الخالق لكل ذلك وكان ولم يكن شيء من هذا كما أنه سبحانه كان قبل كل إحصاء وحساب للمخلوقات . ثم أنه عليه السلام نزه اللّه عما نسبه إليه الضالون الذين حددوا له صفات الممكنات والأشياء التي يرونها من كونه ذي طول وعرض وبداية ونهاية وعمق وارتفاع وثبوت واستقرار على مستوى الأشياء التي لها هذه المواصفات تعالى اللّه عن ذلك فهو الخالق لهذه والموجد لها وشتان بين وجوب وجوده واستغنائه عن كل شيء بما فيها هذه الأوصاف وبين الممكنات المفتقرة في وجودها إلى هذه الأوصاف . فالحد والصفة المذكورة لكل مخلوق من مخلوقات اللّه دونه جل أن يتصف بشيء منها أو ينسب إليه شيء منها ، فالحد لغيره لجسميته والصفة تليق به وتنسب إليه دون اللّه جل وعز . . . ( لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ولا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده وصوّر ما صوّر فأحسن صورته ليس لشيء منه امتناع ولا له بطاعة شيء انتفاع علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين ، وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى ) قد يكون هذا رد على من ادعى أن هذه الموجودات ترجع إلى أمر أبدي أزلي هو المادة الأصلية المعبر عنها بالهيولى فنفى عليه السلام أن تكون هذه الموجودات مستندة إلى هذا الأصل بل إنه سبحانه خلقها ولم تكن وجعل لها حدود معينة من طول وعرض وصورها كما أراد فأحسن صورتها . . . ولقدرته النافذة وأنه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض ليس لشيء من هذه الموجودات امتناع عما أراد بل بقوله كن فكان وإذا أراد منه شيئا حصل كما أنه الغني المطلق الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه وإنما تعود منفعة الطاعة لهذا المطيع كي يتكامل ويرتقي . . .