السيد عباس علي الموسوي
53
شرح نهج البلاغة
جهنم حيث الحزن الطويل على تفريطه والعذاب المهلك على انحرافه . . . وبعبارة أخرى من تديّن بغير الإسلام عاش في الدنيا في الشقاء والعذاب ولم يكن له في الآخرة شفيع أو نصير بل حزن طويل وعذاب أليم . . . ( وأتوكل على اللّه توكل الإنابة إليه واسترشده السبيل المؤدية إلى جنته القاصدة إلى محل رغبته ) أتوكل على اللّه لا على سواه توكل من انقطع إليه واعتمد عليه وأطلب منه أن يهديني ويرشدني إلى الطريق المعتدلة المستقيمة التي توصل إلى جنته وإلى ما يرغب فيه ويحبه من المحل المعد للمتوكلين عليه . . . ( أوصيكم عباد اللّه ، بتقوى اللّه وطاعته ، فإنها النجاة غدا والمنجاة أبدا رهب فأبلغ ورغّب فأسبغ ووصف لكم الدنيا وانقطاعها وزوالها وانتقالها فأعرضوا عما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها ) ابتدأ بالوصية بتقوى اللّه وطاعته وهي الالتزام بأحكامه وبما جاء به نبيه فهذه التقوى بها تكون النجاة غدا من النار ومن عذاب الملك الجبار وهي المنجاة أبدا أي محل النجاة . . . وقيل : إن النجاة هي الناقة التي ينجى عليها فاستعارها للطاعة لأنها كالمطية ينجو بها المطيع من العطب . . . رهّب فأبلغ أي خوف المذنبين والمنحرفين فبلغ الغاية في التخويف . ورغّب فأسبغ : رغب المطيعين بالدرجات العالية في الجنة وبالحور والقصور وغيرها فكان أتم ترغيب وأكمله ثم وصف الدنيا بما ينفر منها وأنها إلى انقطاع وزوال وانتقال فلا بقاء لها ولا دوام ثم أمر بالإعراض عنها وتركها وهجر ما فيها قلبا وعملا وعلل ذلك بقلة ما يأخذه الإنسان منها فإنه لا يأخذ إلا الكفن فحسب وكفى بذلك قلة وحقارة فهو يتعب أيام عمره ويشقى ويكد ويجمع ثم يرحل عن الدنيا بخرقة يلف فيها ربما كان يترفع عن ارتدائها حال حياته والعاقل من فكّر في سفره واستعد له . . . ( أقرب دار من سخط اللّه وأبعدها من رضوان اللّه فغضّوا عنكم - عباد اللّه - غمومها وأشغالها لما قد أيقنتم به من فراقها وتصرف حالاتها فاحذروها حذر الشفيق الناصح والمجد الكادح ) دار الدنيا أقرب دار إلى غضب اللّه لأن فيها الشهوات ولا يعصى اللّه إلا فيها وأبعد دار عن رضوان اللّه لأن رضا اللّه يتحقق بطاعته والتزام أمره وهذا ما لا يحصل إلا ببعض درجاته ومراتبه . . . ثم أمرهم أن يكفوا عن أنفسهم الغم لأجلها والاشتغال بها لزوالها وعدم دوامها وإنما يستحق الاهتمام ما كان يدوم ويبقى كالدار الآخرة .