السيد عباس علي الموسوي

54

شرح نهج البلاغة

ثم أمرهم بالحذر وأخذ الإهبة والاستعداد لأنفسهم حذر الشفيق الحنون على شفيقه وحبيبه الناصح له والمجد الساعي بجد ونشاط خوف الفشل والسقوط . . . ( واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم قد تزايلت أوصالهم وزالت أبصارهم وأسماعهم وذهب شرفهم وعزهم وانقطع سرورهم ونعيمهم فبدلوا بقرب الأولاد فقدها وبصحبة الأزواج مفارقتها لا يتفاخرون ولا يتناسلون ولا يتزاورون ولا يتحاورون ) أمرهم أن يأخذوا العبرة بمن مات قبلهم - وهذه عبرة لنا ولكل حي - أن ينظر في الأمم الماضية كيف عفى عليها الزمن وأتى على مساكنها ولم يبق منها إلا الأطلال الدارسة التي تحكي عنهم وتخبر عن وجودهم . . . لقد تفرقت أعضاؤهم فلم يبق لهم يد ولا رجل ولا رأس على بدن . وزالت أبصارهم وأسماعهم فقد فقدوها أكلتها حشرات الأرض وديدانها . وذهب مقامهم الرفيع ومهابتهم التي كانوا يمارسون بها الظلم على الناس . لقد كانوا أعزة تحرسهم الجيوش وأصحاب شرف عريض يدافعون عنه ويقاتلون من أجله فذهب كله إلى التراب وأما سرورهم وما كانوا فيه من نعيم ، أيام أفراحهم وسرورهم لقد ولت معهم ودفنت إلى جانبهم . . . لقد تبدلت أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا . ففي الدنيا كان الأولاد إلى جانبهم ومعهم يأنسون بهم ويفرحون فهذا القرب قد تبدل إلى بعد فلا جامع يجمعهم ولا لقاء بينهم . وفي الدنيا كان هناك أزواج تصحب أزواجها وتأنس بها فقد فارقتها وابتعدت عنها وهجرت اللقاء بها . وفي الدنيا كانوا يتفاخرون كل واحد من الأمم الماضية كان يفتخر على قرنه ويرى نفسه أنه أكمل منه وأعظم فقد انقطع هذا التفاخر وأضحى الجميع في المقابر ، لقد درستهم الأيام وسوّت فيما بينهم . . . وفي الدنيا كانوا يتزوجون ويتناسلون فهناك أبناء وأحفاد لقد توقف الإنتاج والتناسل وتعطلت الأرحام التي كانت تدفع بالأولاد إلى الدنيا . وفي الدنيا كانوا يتزاورون ، يزور بعضهم بعضا فقد انقطعت الزيارات بالموت وتوقفت اللقاءات والاجتماعات . . .