السيد عباس علي الموسوي

44

شرح نهج البلاغة

رسول اللّه وقد ذكر له بعض هذه الموارد . منها : إنه كان يأكل على الأرض وهذا درس في التواضع لأصحاب العروش ومن يقلدهم من عامة الناس فقد ابتدعت غرف خاصة تسمى غرف الطعام فيها طاولة وحواليها الكراسي فعل الجبابرة والطغاة . ومنها : إنه كان يجلس جلسة العبد أي على الأرض بدون تكبر أو يجلس من غير تربع كما هو جلوس الملوك أو يجلس دون مجلسه تعليما لنا فالمجلس يكبر بأهله ولا يكبر أهله به . ومنها : إنه كان يخصف نعله بيده أي يصلحها بيده وهل هناك في العالم شخصية عظيمة مثل محمد وهل هناك تواضعا لابن أنثى مثل هذا التواضع إنه صنيعة اللّه . . . ومنها : إنه يرّقع بيده ثوبه : يصلح ثوبه المفتوق أو المشقوق بيده تواضعا منه مع أنه كان باستطاعته استبداله بخير منه أو كان بمقدوره أن يعطيه لأحدى نسائه أو لأحد المسلمين ليصلحه وكل واحد يتمنى أن يخدم رسول اللّه ويؤدي له أي مهمة يطلبها منه ولكنه صلوات اللّه عليه أراده درسا لنا . . . ومنها : يركب الحمار العاري وهذا آية التواضع يركب الحمار الذي لا يركبه إلا ضعاف الناس ومساكينهم وفضلا عن ذلك يكون الحمار عاريا زيادة في التواضع . ومنها : إنه كان يردف خلفه : أي يركب خلفه على نفس الحمار بعض الناس وهذا عمل لا يقوم به إلا النبي المسدد الذي يريد أن يعلّم الأمة كيف يكون التواضع وكيف يجب أن يعيش القائد الرسالي مع الناس ، فهو واحد منهم ، يحدب عليهم ويعطف على مساكينهم ولا يخرج عن التواضع في كل المواضع . . . ( ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول « يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيبّيه عني ، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها » فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها من نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتخذ منها رياشا ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده ) وهذا أمر مبغوض للنبي لأنه من الدنيا وزينتها يريد أن يغيبه عن عينه فقد ذكر الإمام هذا الأمر حكاية عنه ليدلل على مدى بغضه للدنيا ، فالستر يكون على باب البيت فتكون فيه التصاوير من أشجار وجماد فيقول لإحدى زوجاته يا فلانة - يا عائشة - غيبيهّ عن عيني وذلك من أجل أن يرتفع من أمامه كل